حين نخسر أنفسنا باسم الحب

نسرين حمزة

ليست كل العلاقات التي تبدأ بالحب تنتهي بالسعادة وليس كل من يتمسك بعلاقة مؤذية عاجزاً عن فهم ما يحدث له ففي كثير من الأحيان يكون الإنسان مدركاً لحجم الألم الذي يعيشه لكنه يعجز عن اتخاذ الخطوة التي تنهيه لأن المشاعر لا تتحرك دائماً وفق منطق العقل ولأن القلب قد يتمسك بما يؤذيه بقدر تمسكه بما يمنحه الأمان

في البداية يبدو كل شيء مختلفاً اهتمام كبير وكلمات جميلة ووعود تجعل الإنسان يشعر بأنه وجد الشخص الذي انتظره طويلاً ثم تبدأ التفاصيل بالتغير شيئاً فشيئاً فتتحول الطمأنينة إلى قلق والاهتمام إلى غياب والخلافات البسيطة إلى مشكلات تستنزف الطاقة والمشاعر ومع ذلك قد يظل أحد الطرفين متمسكاً بالعلاقة معتقداً أن ما يعيشه مجرد مرحلة عابرة ستنتهي ليعود كل شيء إلى ما كان عليه

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية فالإنسان لا يتعلق دائماً بالشخص الذي أمامه كما هو اليوم بل قد يتعلق بالصورة التي عرفها في البداية وباللحظات الجميلة التي عاشها وبالأمل الذي صنعه داخله لذلك ينتظر عودة تلك الصورة ويمنح العلاقة فرصة بعد أخرى معتقداً أن الحب قادر على إصلاح كل شيء وأن الصبر قد يعيد الأمور إلى مسارها الصحيح

لكن ماذا يحدث حين يتحول الانتظار إلى استنزاف وحين يصبح الألم جزءاً متكرراً من العلاقة وحين يجد الإنسان نفسه مضطراً في كل مرة إلى البحث عن الأعذار وتفسير التصرفات وتبرير ما كان يرفضه في السابق؟

في بعض العلاقات تتداخل لحظات القرب والابتعاد بصورة تجعل الانفصال أكثر صعوبة فبعد الخلاف قد يعود الاهتمام وتأتي الكلمات التي تعيد الأمل ثم يتكرر الابتعاد من جديد فيدخل الطرف المتعلق في دائرة من المشاعر المتناقضة بين السعادة المؤقتة والخوف من تكرار الألم وهكذا لا يعود التمسك بالعلاقة قائماً على ما تمنحه فعلياً بقدر ما يصبح قائماً على انتظار اللحظة الجميلة المقبلة

وقد يزداد الأمر تعقيداً عندما يقنع الإنسان نفسه بأن الطرف الآخر سيتغير إذا منحه مزيداً من الحب أو الصبر أو التضحيات فيبدأ بالتنازل عن احتياجاته ويتجاهل ما يشعر به ويؤجل قراراته خوفاً من خسارة العلاقة ومع مرور الوقت قد يفقد القدرة على التمييز بين ما يريده فعلاً وما اعتاد تحمله حتى يصبح البقاء مؤلماً والرحيل مخيفاً في آن واحد

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل هل المرأة التي تحب بصدق وتمنح مشاعرها بعمق تكون أكثر عرضة للانكسار؟

لا يمكن تعميم الإجابة أو اعتبار الحب الصادق ضعفاً فالوفاء ليس عيباً والقدرة على منح المشاعر ليست نقصاً في الشخصية لكن الاستثمار العاطفي الكبير قد يجعل الانفصال أكثر إيلاماً خصوصاً عندما تكون المرأة قد بنت آمالاً واسعة على العلاقة وربطت مستقبلها بصورة معينة عن الطرف الآخر

وفي المقابل لا يعني الخروج السريع من علاقة أن صاحبه أقوى عاطفياً كما لا يعني البقاء فيها أن الإنسان ضعيف فلكل شخص ظروفه وتجربته ومخاوفه لكن الفارق الحقيقي يظهر في القدرة على مراجعة العلاقة بصدق والاعتراف بما تسببه من أذى بدلاً من الاستمرار في إنكار الواقع دفاعاً عن حلم لم يعد يشبه الحياة التي يعيشها الإنسان

ومن المهم التمييز بين الحب والتعلق فالحب الصحي يمنح الطرفين مساحة من الاحترام والأمان والحرية ويتيح لكل منهما أن يكون على طبيعته أما التعلق الذي يتحول إلى عبء فقد يجعل الإنسان يضع احتياجات الآخر فوق احتياجاته باستمرار ويخشى التعبير عن رأيه حتى لا يخسر العلاقة ويقبل بما لا يرضيه لأنه يعتقد أن خسارة الشخص الذي يحبه ستكون أصعب من خسارة جزء من نفسه

وقد يختلط هذا النمط من العلاقات بمفاهيم نفسية يجري تداولها بكثرة مثل النرجسية والتلاعب العاطفي لكن إطلاق هذه الأوصاف على الأشخاص من بعيد أو بناء أحكام قاطعة على تجارب لا نعرف تفاصيلها كاملة ليس أمراً دقيقاً فالأهم ليس البحث عن تسمية جاهزة لكل علاقة بل فهم السلوك المتكرر وتأثيره في الطرف الآخر والتمييز بين خلاف يمكن تجاوزه ونمط مستمر من الأذى لا تكفي الوعود وحدها لتغييره

وتأتي تجربة الفنانة شيرين عبد الوهاب وعلاقتها بحسام حبيب في مقدمة التجارب التي أثارت نقاشاً واسعاً لدى الجمهور حول هذه المعاني فقد أصبحت تفاصيل العلاقة وما رافقها من أخبار وعودة وانفصال مادة متداولة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن الأسباب التي تجعل بعض العلاقات تستمر رغم ما يبدو من تعقيداتها وصعوباتها

لكن من الضروري التعامل مع هذه التجربة بحذر واحترام خصوصية أصحابها فلا يمكن للجمهور أن يعرف جميع التفاصيل التي تجري خلف الأبواب المغلقة ولا يصح تحويل الأخبار المتداولة إلى أحكام نهائية على شخصية أي طرف أو حالته النفسية كما أن حياة الفنان تحت الأضواء لا تعني أن كل ما يمر به يصبح متاحاً للتشخيص والتحليل القاطع

ومع ذلك فإن تجربة شيرين تفتح باباً أوسع للنقاش حول تأثير العلاقات العاطفية في الاستقرار النفسي وحول الفارق بين التمسك بالحب والتمسك بعلاقة تستنزف الإنسان وحول الدور الذي تؤديه الذكريات والآمال والخوف من الفقد في جعل قرار الانفصال أكثر تعقيداً مما يبدو للآخرين

فما قد يراه المحيطون قراراً سهلاً قد يكون بالنسبة إلى صاحبه صراعاً داخلياً طويلاً لا تحسمه النصائح العابرة ولا تنهيه العبارات الجاهزة من قبيل اتركه وابدأ من جديد لأن الخروج من علاقة عاطفية لا يعني إنهاء التواصل فحسب بل قد يعني التخلي عن ذكريات وتوقعات وخطط مستقبلية وعن صورة رسمها الإنسان لحياته مع شخص اعتقد أنه سيبقى فيها

غير أن فهم هذه الصعوبة لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للاستمرار في الألم فالتعاطف مع من يجد صعوبة في الرحيل لا يعني مطالبته بتحمل ما يؤذيه إلى ما لا نهاية كما أن احترام المشاعر لا يعني إهمال الكرامة والراحة النفسية فالحب مهما كان عميقاً لا يستطيع وحده أن يجعل العلاقة ناجحة إذا غاب الاحترام والأمان وتحولت الحياة المشتركة إلى مصدر دائم للقلق والانكسار

إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على تحمل الألم إلى أبعد مدى ولا في إثبات الوفاء مهما كانت التضحيات بل في امتلاك الشجاعة لمواجهة الحقيقة حين تصبح العلاقة عبئاً وفي فهم أن حماية النفس ليست خيانة للحب وأن الرحيل في بعض الأحيان لا يكون دليلاً على انتهاء المشاعر بقدر ما يكون اعترافاً بأن استمرار العلاقة بهذه الصورة لم يعد ممكناً

فليس مطلوباً من المرأة أن تتوقف عن الحب أو أن تصبح قاسية حتى تحمي نفسها وليس عليها أن تنكر ذكرياتها الجميلة كي تعترف بأن واقعها تغير كل ما تحتاج إليه هو أن تمنح نفسها المكانة التي تستحقها وأن تدرك أن العلاقة التي تطلب منها خسارة ذاتها باستمرار ليست انتصاراً للحب مهما كانت المشاعر التي بدأت بها

أحبي بصدق وامنحي مشاعرك لمن يستحقها لكن لا تجعلي حبك لشخص آخر سبباً في خسارتك لنفسك فأقسى أنواع الفقد أن تنقذي العلاقة وتخسري الإنسان الوحيد الذي لا ينبغي أن تخسريه أبداً أنتِ


مشاركة المقال :