الفنان التشكيلي الويلزي أندرو سميث حين يتحول المكان إلى ذاكرة لونية

رحيم يوسف / بغداد

ثمة سؤال يلوح في أفق تجربة أندرو سميث عن تحوّل المكان إلى ذاكرة لونية. غير أن هذا السؤال سرعان ما يقودنا إلى سؤال آخر أكثر دقة: كيف يرسم الفنان المكان؟ وربما يكون علينا أن نستبدل هذا السؤال بسؤال آخر: ماذا يبقى من المكان بعد أن يغيب؟

وستكون الإجابة: يبقى أثره. وهذا الأثر يضعنا وجهاً لوجه أمام جدلية الحضور والغياب. وما يهمنا الآن هو الأثر، ذلك الذي يعيد سميث بناءه من خلال اللون. فحين يتحول اللون من كونه أحد العناصر المكوِّنة للسطح التصويري إلى البنية الأساسية التي يرتكز عليها، فإننا لا نعود أمام لون يصف الأشياء، وإنما أمام لون يبدأ في إنتاج معنى خاص به. وربما من هذه النقطة تحديداً يمكن الدخول إلى تجربة الفنان، التي تبدو علاقته فيها باللون أكثر عمقاً من مجرد البحث عن التنوع البصري أو الطاقة التعبيرية.

ففي سطوحه التصويرية لا يظهر المكان باعتباره منظراً جاهزاً للنقل، ولا باعتباره موضوعاً يمكن اختزاله في مجموعة من العلامات الخارجية، وإنما يتحول إلى تجربة حسية تتداخل فيها الرؤية بالحركة والذاكرة والانفعال.

وترتبط تجربة سميث بصورة واضحة باللون والمكان والتجربة البصرية المباشرة، وقد أصبحت الإقامات والمشروعات الفنية الدولية جزءاً مهماً من تطور رؤيته. وفي حديثه عن ممارسة «scapes»، يربط الفنان بين العمل في الموقع والدراسات الاستكشافية والتأمل اللاحق، بحيث تتشكل التجربة من جوانب متعددة للموضوع قبل أن تصل إلى صياغتها النهائية. وقد أكدت الجهات التي استضافت أعماله أن العمل في الموقع وما يتبعه من تأمل يشكلان جزءاً أساسياً من ممارسته، وأن اللون أصبح في أعماله الأخيرة «الموضوع والصورة» في الوقت نفسه.

ليبدأ المكان في مغادرة صورته الخارجية. فعندما نقف أمام السطح التصويري التجريدي، نبحث غالباً عن العلامة التي تقودنا إلى موضوع محدد: جبل، بحر، شجرة، شارع أو بناء. غير أن سميث يدفعنا إلى التخلي عن هذا النوع من البحث. فالمكان عنده لا يحتاج إلى أن يحتفظ بملامحه كي يظل حاضراً. قد تغيب الجغرافيا، لكن يبقى ضوؤها؛ وتغيب الأشياء، لكن تبقى حركتها؛ وحتى إذا غاب المشهد، يبقى الانفعال الذي أحدثه. وهكذا تتحول عملية الرسم إلى استعادة للمكان، لا إلى تمثيل له.

لنقترب من موريس ميرلو-بونتي، الذي أعاد التفكير في الإدراك انطلاقاً من الجسد والعالم المعاش. فالجسد عنده ليس مجرد جسم يوجد داخل المكان، وإنما هو الطريقة التي نحضر بها في العالم ونتصل به. والإدراك ليس استقبالاً سلبياً لصورة تأتي من الخارج، بل علاقة حية بين الجسد والعالم. وقد ركز ميرلو-بونتي في «فينومينولوجيا الإدراك» على الجسد المعاش والعالم المحسوس، وعلى الطريقة التي ينظم بها الجسد خبرتنا وموقعنا في العالم.

وعليه يمكننا فهم ما يفعله سميث على نحو مختلف؛ لأنه لا يقف خارج المكان لكي يراقبه ثم ينقله إلى السطح التصويري، بل يدخل المكان، يتحرك فيه، يعيش ضوءه ومسافاته وإيقاعاته، ثم يحمل هذه التجربة معه. لذلك فإن ما يصل إلى السطح التصويري ليس المكان كما كان، وإنما المكان كما أصبح بعد أن مر عبر جسد الفنان ووعيه وذاكرته.

وتمر عملية الاستعادة من خلال الوعي، لتتحول العين من أداة للرؤية إلى وسيلة للعيش. فالإدراك ليس صورة فحسب، وهذه إحدى النقاط المهمة في فلسفة ميرلو-بونتي؛ إذ يتحرر الإدراك من كونه مجرد صورة تستقر في العين، ليصبح مرتبطاً بالجسد والحركة والموقف والعالم المعاش. وحتى الفضاء نفسه لا يُختبر كحيز هندسي مجرد، وإنما كفضاء نتحرك فيه ونعيش داخله.

وهذا ما يلقي الضوء على جانب مهم من تجربة سميث. فعندما يعمل الفنان استجابةً لمكان معين، فإنه لا يستعيد المسافة بينه وبين المكان، وإنما يستعيد علاقته به. ولذلك يمكن أن نجد في السطح التصويري لوناً لا يشير إلى شيء محدد، لكنه يحمل إحساساً بالمكان؛ وخطاً لا يمثل طريقاً، لكنه يحتفظ بإيقاع الحركة؛ ومساحة لا تمثل أرضاً، لكنها تستعيد اتساعها أو كثافتها. نحن لا نرى المكان، وإنما نشعر به. وتلك إمكانية مهمة لدى سميث في جعل الغائب محسوساً من خلال اللون.

وسيبرز سؤال آخر: هل يعني ذلك أنه يرسم الذاكرة؟

والجواب: تتدخل الذاكرة، ولكن ليس تماماً. فالذاكرة وحدها لا تفسر التجربة، كما أن الإدراك وحده لا يكفي لذلك. هناك لحظة أولى تحدث في مواجهة المكان: الضوء، اللون، الحرارة، المسافة، الحركة، الإيقاع، وحتى الإحساس الجسدي بالموقع. ثم تأتي الذاكرة لتحتفظ ببعض هذه العناصر وتعيد ترتيبها. وأثناء عملية الرسم تتدخل المخيلة والانفعال والخبرة السابقة، فيصبح السطح التصويري منطقة التقاء بين ما أدركه الفنان، وما تذكره، وما شعر به.

وستكون الذاكرة لا مستودعاً للصور، بل قوة تعيد تنظيم التجربة.

ولهذا فإن اللون في سطوح سميث التصويرية لا يمكن اختزاله في قيمته البصرية. إنه يحمل زمناً سابقاً، وربما مكاناً سابقاً، لكنه لا يقدمه لنا كما كان، بل كما أصبح في الوعي. ليتحول اللون هنا تحديداً إلى ذاكرة.

وإذا كان ميرلو-بونتي يساعدنا على فهم المكان من خلال الإدراك والجسد، فإن مارتن هايدغر يفتح لنا باباً آخر يتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان والوجود.

فالمكان عند هايدغر ليس مجرد فراغ هندسي توجد الأشياء داخله. وفي نصه «البناء والسكن والتفكير»، يرتبط السكن بطريقة وجود الإنسان في العالم، إذ لا يُفهم المكان منفصلاً عن علاقة الإنسان بالأشياء والمواقع التي يقيم فيها. ويؤكد هايدغر أن علاقة الإنسان بالمكان لا تختزل في القياس الهندسي للمسافات، بل تتصل بالسكن والإقامة وطريقة الحضور في العالم.

ومن هذا المنظور يمكننا قراءة تجربة سميث باعتبارها بحثاً عن أثر إقامة الإنسان في المكان، لا عن صورته الخارجية فقط. فالفنان لا يزور المكان ثم يتركه كما هو؛ إنه يدخل معه إلى الاستوديو. الصحراء لا تبقى في مكانها، وضوء المغرب لا يبقى في المغرب، وتجربة الصين لا تبقى في جغرافيتها. كل ذلك ينتقل إلى الذاكرة، ثم يعود في السطح التصويري باعتباره لوناً وحركة وإيقاعاً. وهكذا يصبح السطح التصويري مكاناً آخر، وليس نسخة عن المكان الأصلي؛ إنه المكان بعد أن صيغ بالوعي.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة عند النظر إلى تجربته في الصين والمغرب. فقد كانت إقامته الممتدة في الصين خلال 2023–2024 جزءاً مهماً من تطور ممارسته، وارتبطت باهتمامه باستيعاب طرائق العمل والتطبيق من منظور غير غربي. كما ارتبطت إقامته الممتدة في المغرب بمناطق قريبة من جبال الأطلس، وبالتأثير العميق للضوء الصحراوي في تجربته. وتوضح المصادر المرتبطة بمعرضه مع جون هيدلي أن هذه الإقامات ألهمت أعمالاً جديدة أنجزها في مرسمه في هارليخ.

وفي معرض «Colour Connections» الذي جمع أندرو سميث وجون هيدلي في Oriel Môn عام 2024، قدم سميث أعمالاً تجريدية نابضة بالألوان على القماش، أنجزها استجابةً للمكان والموقع، وكانت إقاماته الأخيرة في الصين والمغرب مصدراً لهذه الأعمال. كما ظهرت في المعرض أعمال مرتبطة بالصين، من بينها مجموعة تحمل عناوين تشير إلى تشونغتشينغ.

ليصبح السفر جزءاً من عملية إعادة تشكيل الإدراك؛ لأن الفنان لا ينتقل من مكان إلى آخر بذاكرة فارغة. إنه يحمل معه ما سبق أن رآه، وما سبق أن رسمه، وما سبق أن شعر به. ولذلك فإن المكان الجديد لا يلغي الأماكن السابقة، بل يدخل معها في حوار. وربما لهذا السبب تبدو بعض سطوحه التصويرية كأنها طبقات من أمكنة متعددة، لا يمكن تحديد مكان واحد فيها؛ لأن المكان نفسه أصبح مركباً، وهذا المركب يمثل الذاكرة البصرية.

ولأن اللون يأتي في مقدمة التجربة، فإنه ينتج الشكل في جانب مهم منها، لتتحول العلاقة التقليدية بين اللون والشكل. ففي الرسم التمثيلي يمكن أن يكون اللون وسيلة لإكمال شكل موجود مسبقاً، أما عند سميث فإن اللون يشارك في خلق الشكل نفسه. تتجاور الكتل اللونية، وتتقاطع الخطوط، وتتكرر العلامات، فتظهر البنية تدريجياً من داخل اللون.

ولهذا فإن التجريد عنده ليس ابتعاداً عن الواقع، بل انتقالاً من المرئي إلى المحسوس. فهو لا يقول: هذا جبل، بل يجعلنا نشعر بثقل الجبل. ولا يقول: هذا ضوء، بل يجعل الضوء يحدث داخل السطح التصويري. ولا يقول: هذا مكان، بل يجعلنا نختبر حضور المكان رغم غياب صورته.

وتتصل هذه الرؤية أيضاً بالإيقاع والتكرار والعفوية التي تظهر في تجربته الحديثة. فالحركة ليست مجرد وسيلة لتكوين السطح التصويري، وإنما هي جزء من ذاكرة إنجازه. كل خط يحمل أثراً لحركة اليد، وكل طبقة لونية تشير إلى زمن سابق، وكل تكرار يكشف عن لحظة من لحظات البحث. ولهذا يمكن النظر إلى السطح التصويري باعتباره ذاكرة لفعل الرسم نفسه. إنه لا يحفظ النتيجة فقط، بل يحفظ الطريق الذي أدى إليها.

وتؤكد الكتابات التعريفية بتجربته الحديثة هذه العلاقة بين اللون والفعل؛ إذ تصف الرسم عنده باعتباره تسجيلاً لحركة الذهن، وتشير إلى حضور الإيقاع والتكرار والعفوية، وإلى أن اللون نفسه أصبح الموضوع والصورة معاً.

ليصبح الرسم زمناً متراكماً؛ سلسلة من الأفعال والقرارات والإضافات، تحتفظ آثارها بالوجود حتى عندما لا نستطيع تحديدها بصورة مباشرة.

يمكننا الوصول إلى منطقة أكثر عمقاً في التجربة عبر ميرلو-بونتي وهايدغر. فميرلو-بونتي يجعلنا نرى المكان من خلال الجسد والإدراك، بينما يساعدنا هايدغر على فهم المكان من خلال الوجود والسكن. وبين الاثنين يمكننا النظر إلى تجربة سميث باعتبارها انتقالاً من المكان الذي نراه إلى المكان الذي نعيشه.

فالمكان الخارجي لا يبقى خارج الفنان، بل يدخل إلى جسده من خلال الإدراك، وإلى ذاكرته من خلال التجربة، ثم إلى السطح التصويري من خلال اللون. ولهذا لا يكون التجريد عنده انفصالاً عن العالم، وإنما طريقة أخرى للعودة إليه. فكلما ابتعد الشكل عن التشخيص، اقترب الإحساس؛ وكلما غابت الجغرافيا، ظهر أثرها؛ وكلما تراجع الموضوع، ازدادت قدرة اللون على الكلام.

وهكذا يتحول السطح التصويري إلى نوع من المكان الداخلي؛ مكان لا يمكن تحديده على الخريطة، لكنه موجود في الذاكرة والحس والجسد. إنه المكان بعد أن يصبح تجربة شخصية.

وبالعودة إلى اللون لديه، فإنه ليس شيئاً نراه فقط، بل شيئاً يحدث لنا. فنحن لا نقرأ اللون كما نقرأ علامة لغوية، بل ندخل في علاقاته. قد يفتح مساحة، أو يضغط عليها، أو يخلق حركة، أو يستدعي إحساساً بمكان لم نعد نراه. وهذا ما يجعل اللون في تجربته أقرب إلى فعل إدراك. إنه لا يضيف معنى إلى المكان، بل يعيد بناء المكان من خلال الإحساس.

ولهذا يمكننا القول بان سميث لا يرسم المكان، وإنما يرسم كيفية حضور المكان في الوعي. وهنا تتقاطع تجربته مع ميرلو-بونتي وهايدغر دون أن تكون تطبيقاً حرفياً لفلسفتهما: الأول يساعدنا على فهم كيف يدخل العالم إلى التجربة من خلال الجسد والإدراك، والثاني يساعدنا على فهم كيف يتحول المكان من حيز إلى علاقة بالسكن والوجود.

وبذلك لا يعود اللون في تجربة أندرو سميث مجرد عنصر من عناصر التكوين، بل يصبح وسيطاً بين المكان والذاكرة، وبين ما كان وما بقي منه، وبين الجغرافيا الخارجية والمكان الذي يستقر في الوعي. وعندما تغيب صورة المكان، لا يعني ذلك غيابه الكامل؛ فقد يبقى في لون، أو حركة، أو إيقاع، أو أثر. ومن هنا تحديداً تتأسس قيمة التجربة: إنها لا تبحث عن إعادة المكان كما كان، وإنما عن الكشف عما يتركه المكان فينا بعد أن نغادره .


مشاركة المقال :