محمد الكلابي
أما نحن فقد تجاوزنا ذلك إلى شكل جديد من الضياع: لم نعد نضيع في الكلام… بل في التنظيم. ليس لأننا نعرف أكثر، بل لأن كل شيء أصبح قابلاً للقياس
في السنوات الأخيرة حدث شيء لم ينتبه له أغلب الناس: لم نعد نعيش يومنا، بل نُدار من خارجه. كأن الحياة تحولت بهدوء إلى سلسلة صناديق نملؤها ونشطبها واحداً بعد آخر، حتى صار المرء يقيس نفسه بما أنجزه لا بما اختبره، وبعدد المهام لا بعمق اللحظة. هنا يبدو سؤال هايدغر، الفيلسوف الألماني الذي كان يرى أن الإنسان يضيع حين يذوب في يومياته، أكثر حدّة مما قصده صاحبه: هل ما زلنا نملك كينونتنا، أم أننا سلّمناها لجدول المهام؟
لم يكن هايدغر يتخيّل عالماً تتحول فيه الحياة إلى إخطارات متتابعة تُدير وعينا كما تُدار عجلة العمل الصارمة. كان يصف ضياع الإنسان في “الثرثرة اليومية”، أما نحن فقد تجاوزنا ذلك إلى شكل جديد من الضياع: لم نعد نضيع في الكلام… بل في التنظيم. ليس لأننا نعرف أكثر، بل لأن كل شيء أصبح قابلاً للقياس: الوقت، الانتباه، الخطوات، دقائق النوم، وحتى السكينة باتت تُقاس بمدّة جلسة تأمل محددة بدقة.
هكذا تشكّل داخلنا ما يمكن تسميته بـ”عقل المهام”: عقل لا يعيش اللحظة إلا إذا كانت ذات غاية، ولا يصغي إلا لما يمكن تسجيله، ولا يقبل بفكرة لا تملك أفقاً واضحاً. حتى الشعور أصبح مهمة، وحتى الراحة تحوّلت إلى بند في جدول اليوم، وحتى الصمت يحتاج إلى تطبيق يخبرنا متى نبدأ ومتى ننتهي. إنسان اليوم لا يهرب من وجوده كما قال هايدغر؛ بل أعاد صياغة الوجود على صورة وحدات تشغيل صغيرة: كل دفقة حياة يجب أن تؤدّي وظيفة، وكل إحساس يجب أن يكون قابلاً للإدراج في خانة.
لكن الخطر الحقيقي ليس ضياع الكينونة… بل تحويلها إلى شيء قابل للإنجاز. أن تصبح نفسك مشروعاً، وحضورك خطوة، ووجودك مساراً يُدار لا تجربة تُعاش. هنا يفقد الإنسان أخطر ما فيه: تلك المنطقة التي لا تُدار ولا تُشطب ولا تُختزل، تلك البقعة التي لا تُرى إلا حين يبتعد عن كل ما يتطلب منه نتيجة.
ولذلك، فإن العودة إلى الكينونة ليست انسحاباً من العالم، ولا هروباً من هواتفنا، ولا تمريناً للخلاص الروحي. العودة الحقيقية هي القدرة على افتعال لحظة واحدة غير قابلة للقياس؛ لحظة بلا تفسير، بلا مكسب، بلا طاعة لسلطة الإنجاز. لحظة نُصغي فيها لأنفسنا خارج منطق الوظيفة والغاية.
إنها اللحظة التي لا تبحث عن معناها خارجها، ولا تسمح للعالم أن يصوغها على مقاسه. زمن صغير، لكنه يمتلك ما لا تمتلكه أيام كاملة: أن يردّ إلينا ما سُرق منا ونحن نعدّ خطواتنا.
وفي النهاية، ربما لم نفقد الكينونة كما نظن…
ربما كل ما حدث أننا وضعناها سهواً في قائمة المهام، وظننا أنها ستعيش هناك.
لكن الكينونة، مثل الحقيقة، لا تُنجَز… بل تُفاجئك.
وتفاجئك تحديداً حين تتوقف للحظة، وتكتشف أن ما كنت تبحث عنه خارجك… كان ينتظرك في المساحة الوحيدة التي لم تضعها يوماً على جدولك.
