محمد الكلابي
لم يخدعنا الذكاء الاصطناعي كما يتوهم بعض الناس، فنحن الذين فتحنا له أبواب الكتابة، ثم أخذنا نشكو من كثرة ما ينتجه. وجد بعض الكتّاب في هذه البرامج فرصة للتخلص من مشقة التأليف، فصار الواحد منهم يطلب مقالاً في موضوع لم يقرأ عنه، ثم يتسلم نصاً مرتباً، يضع اسمه في أعلاه ويدفع به إلى النشر. وربما استغرق في اختيار عنوانه وقتاً أطول مما أمضاه في فهم القضية التي يتناولها. ومن الطريف أن يتحدث بعد ذلك عن تجربته الفكرية، ويطلب من القراء أن يناقشوه في آراء لم يتعب في تكوينها.
وما كان لهذا الاستسهال أن يجد رواجاً لولا أن كثيراً من الناس اعتادوا الحكم على الكلام من ظاهره. فالعبارة المنمقة تستميل القارئ، وحسن ترتيب الفقرات يوحي بإحكام التفكير، وقد تمر الفكرة الضعيفة إذا أُلبست ثوباً من البلاغة. وتستطيع البرامج الحديثة أن تصوغ النصوص في أساليب متعددة، وأن تجمع المعلومات وتربط بينها، حتى يبدو المقال مستوفياً شروط الكتابة الجيدة. غير أن القارئ المتأمل قد يجد وراء هذه الصياغة أحكاماً مألوفة، وأمثلة مستهلكة، واستنتاجات يستطيع توقعها قبل أن يبلغ نهايتها. ولطالما عرفنا في حياتنا أناساً يحسنون الحديث في كل شأن، فإذا سألت أحدهم عن دليل قوله عجز عن الجواب.
وللكتابة مشقة يعرفها من مارسها بجد. فقد تلازمني فكرة واحدة شهوراً، أعود إليها كلما قرأت كتاباً أو شهدت موقفاً يضيء جانباً منها، ثم أجلس لأكتب فأجد أن ما استقر في ذهني لا يستقيم على الورق كما ظننت. وربما أمضيت ساعات في مراجعة فقرة، أحذف منها ما حسبته حسناً، وأعيد النظر في حكم كنت مطمئناً إليه، حتى أكتشف أن الخلل كان في أصل الفكرة. وقد أهدم ما بنيته بعد جهد طويل حين يتبين لي ضعف حجتي، ثم أعود إلى القراءة بحثاً عما فاتني. وما أكثر الآراء التي تبدو لصاحبها محكمة ما دامت حبيسة ذهنه، فإذا حاول بيانها للآخرين ظهرت له عيوبها.
ومن هذه التجربة يتكون جانب من شخصية الكاتب. فهو يتعلم أن يشك في أحكامه، وأن يصبر على المسائل التي تستعصي عليه، وأن يراجع ما يكتب دون أن يستنكف عن الاعتراف بخطئه. أما الذي يعهد بهذه المهمة إلى برنامج، فقد يحصل على صفحات حسنة الترتيب، لكنه يحرم نفسه من المراجعة التي كان يمكن أن تغير فهمه للموضوع. وربما نشر عشرات المقالات دون أن تتسع معارفه بقدر ما يوحي به إنتاجه، لأن الجهد الذي كان ينبغي أن يبذله في البحث انتقل إلى وسيلة تؤدي عنه معظم العمل.
والغريب أن بعض أصحاب هذا المسلك يتباهون بسرعة الإنجاز، فيخبرك أحدهم أنه كتب عدة مقالات في يوم واحد، كأن عدد الصفحات دليل على سعة الاطلاع. وقد عرفنا هذه الظاهرة قبل ظهور التقنية الحديثة، حين كان بعض المؤلفين يكثرون من النقل والتلخيص، ويجمعون من الكتب ما يكفي لإخراج مؤلفات ضخمة لا تكاد تجد فيها رأياً خاصاً بأصحابها. فجاءت البرامج الذكية فوسعت هذا الباب، وأعفت المستعجلين من مشقة البحث حتى عن العبارات التي يملؤون بها صفحاتهم.
وتظهر آثار ذلك في العمل الصحفي على نحو يستحق النظر. ففي جريدة «المستقل» تصلنا أسبوعياً مقالات مقترحة للنشر، ويبدو على عدد ملحوظ منها أنها أُعدت بمساعدة واسعة من الذكاء الاصطناعي. وقد تستوقفني إحداها لحسن ترتيبها وسلامة لغتها، ثم أجد صاحبها ينتقل بين الأحكام العامة دون أن يقدم ما يسندها، ويستشهد بما لا يخدم حجته، ويكرر معاني مألوفة في عبارات مختلفة. ومع ذلك لا يكفي التشابه الأسلوبي للجزم بمصدر المقال، فبعض البشر يكتبون بهذه الطريقة أيضاً، وقد يكون النص الجيد ثمرة عمل استعان صاحبه فيه بأدوات حديثة. والعبرة بما يقدمه من معرفة، وبمدى أمانة من وضع اسمه عليه.
فالصحافة تقتضي من صاحبها أن يعرف موضوعه، ويميز الوقائع من الآراء، ويتحمل مسؤولية ما ينشره. والذي يتناول قضية سياسية ينبغي أن يحيط بخلفيتها وأطرافها، وأن يفحص مصادره قبل إصدار الأحكام. وقد ينشر من يتسلم مادة جاهزة معلومة خاطئة، أو يتبنى موقفاً لم يتأمل نتائجه، ثم يعجز عن الدفاع عنه إذا ناقشه أحد. ويصبح القارئ ضحية لهذا الإهمال، لأنه منح ثقته لشخص افترض أنه بذل جهداً في فهم ما يعرضه عليه.
وقد يقول قائل إن المؤلف يستعين منذ القدم بالقواميس والمراجع والمحررين، فلماذا نعيب عليه الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟ والاعتراض وجيه إذا كانت الاستعانة به تعينه على البحث أو المراجعة أو اختبار الحجة. فليس في استخدام الوسائل الحديثة ما يقدح في قيمة العمل ما دام صاحبه يفهم مادته ويتحمل تبعتها. وإنما يفسد الأمر حين يتنازل عن أصل المهمة، فيدع البرنامج يختار له أفكاره ويصوغ أحكامه، ثم ينسب إلى نفسه اجتهاداً لم يبذله. والفرق بين الحالين يظهر عند المناقشة؛ فصاحب الرأي يستطيع بيان أسبابه، أما من اكتفى باستعارة الكلام فقد يحتاج إلى العودة إلى البرنامج ليفسر له ما نشر باسمه.
ويخشى على من يعتاد هذه الطريقة أن تضعف ثقته بقدرته على التأليف دون معونة. يبدأ بطلب تحسين جملة، ثم ينتقل إلى صياغة فقرة، حتى يجد نفسه عاجزاً عن مواجهة الصفحة البيضاء. وقد يظل اسمه حاضراً في الصحف وحسابات التواصل، بينما تتراجع ملكته في التعبير عما يفكر فيه. وليس بعيداً أن يصبح شديد الحساسية تجاه النقد، لأنه لم يعش المراحل التي نشأت فيها حجته، ولا يعرف مواضع قوتها وضعفها.
ومن عرف لذة الوصول إلى رأي بعد طول بحث يدرك ما يفوته من يستعجل النتيجة. فالقراءة التي تخالف توقعاتنا، والدليل الذي يضطرنا إلى مراجعة موقفنا، والعبارة التي نعجز عن إحكامها حتى نفهم موضع الخلل فيها، تترك جميعها أثراً في تكويننا. وقد تخرج المقالة في صفحات قليلة، بينما يحمل صاحبها وراءها أعواماً من الاطلاع والتجربة. وليس طول المعاناة شرطاً لجودة الكتابة، فقد ينجز المتمرس عملاً ناضجاً في وقت قصير، لأن ما يظهر سهلاً على الورق يستند إلى معرفة اكتسبها خلال سنوات.
ومن الخطأ كذلك أن نجعل كل ما يكتبه البشر أصيلاً لمجرد أنه صدر عنهم. فقد امتلأت الصحف قديماً بمقالات مكررة، وكان بعض أصحابها يجيدون صناعة العبارات دون أن تكون لديهم إضافة تستحق القراءة. وربما كشفت البرامج الحديثة عيباً راسخاً في ثقافتنا، هو رغبة البعض في اكتساب صفة المثقف دون احتمال أعباء الثقافة. فمن السهل أن يضع المرء اسمه تحت مقال، وأن يتحدث عن مؤلفاته أمام الناس، أما تكوين موقف مستقل فيحتاج إلى اطلاع وصبر واستعداد لمخالفة المألوف، حتى حين يكون الرأي السائد أقرب إلى مصالح صاحبه.
ومع اتساع النشر الرقمي، ستزداد المنافسة على انتباه القارئ، وقد يجد أصحاب المعالجات المتأنية أنفسهم أمام سيل من المواد التي تُنتج في دقائق. وإذا ظلت المؤسسات الإعلامية تكافئ كثرة النشر وسرعته، فسوف يتشجع من يستطيع توفير المقالات بأقل جهد، ويصبح التثبت من جودتها عبئاً مؤجلاً. وللمحرر هنا مسؤولية لا يجوز التفريط فيها، إذ ينبغي أن يفحص الوقائع والحجج، وأن ينظر فيما يضيفه العمل إلى معرفة الجمهور، مهما كانت وسيلة إعداده.
وأشد ما يثير قلقي أن ينشأ جيل من الراغبين في الشهرة الأدبية قبل أن تتكون لديهم عادة القراءة والتفكير. فقد كان المبتدئ يخطئ ويحاول، ويقلد من يعجب بهم، ثم يتخلص شيئاً فشيئاً من آثار التقليد حتى يجد طريقته الخاصة في النظر والتعبير. أما إذا حصل منذ محاولاته الأولى على نصوص جاهزة تستجلب الإعجاب، فقد يظن أنه بلغ منزلة لم يقطع الطريق إليها. وحين يواجه مسألة تحتاج إلى حكم مستقل، تظهر المسافة بين ما ينشره وما يستطيع التفكير فيه بنفسه.
سيأتي وقت يستطيع فيه أي امرئ أن يحصل على كتاب كامل في دقائق، يحمل اسمه على غلافه ويعرضه على الناس بوصفه ثمرة فكره. وربما يجد من يمدحه ويثني على غزارة إنتاجه. غير أن امتحان الكاتب يبدأ حين يُسأل عما أراد قوله، ولماذا اختار رأيه، وما الذي يستطيع الدفاع عنه مما نُشر باسمه. وعند ذلك قد يكتشف بعضهم أن أسهل ما في الكتابة كان الحصول على المقال، وأن أصعب ما فيها أن يكون لصاحبه فكر يستحق أن يُكتب.
