زياد الرحباني… لم يمت، نحن قتلناه

محمد الكلابي

ثمة نوع من الحب مؤجل إلى ما بعد الموت؛ تمنحه الجماعة حين تطمئن إلى انقطاع الصوت المشاغب. غياب زياد الرحباني أزاح عبء الإحراج، ممهداً الطريق لطمأنينة طارئة تلت حضوراً مربكاً وصمتاً مستحيلاً. ومع توقفه عن إثارة القلق، استيقظت عاطفة المستهلك المطمئن، ليتحول هذا الشجن المشترك إلى تواطؤ شعوري، مخاتلة نفسية تمارسها الجماعة لترميم صورتها.

​انفجرت طاقة الاحتفاء فجأة، فامتلأت الشاشات بمسرحياته، والصفحات بنوستالجيا مشبوهة، كأن غيابه كان الشرط الوحيد لتذكره. استحال فجأة الابن النقي، والعبقري المغدور، في طقس من طقوس التطهير النفسي الجماعي، ومحاولة ذاتية يبذلها الأحياء للتصالح مع ضيقهم القديم بوجوده وسطهم.

​هذا المشاكس كان ثقيلاً وهم يراقبونه يسير في الشوارع؛ اعتبروه صاخباً، غامضاً، وعصياً على التدجين أو الاستثمار. رشقوه بتهم الفوضى والجنون والإلحاد، مدفوعين بخوف فِطري من ذكائه المفرط ونفوره من القوالب الجاهزة. ورغم ذلك، ظل في خندقه، يضحك كاشفاً بوجوده التناقض المستتر في سلوكنا الاجتماعي.

​ومع المغيب، دارت مطاحن الطقوس لتستدعي نسخة منقحة منه، نسخة أليفة تناسب الحنين وتدغدغ عواطف الجمهور الذي خافه حياً. أفرغوا التجربة من محتواها، نمقوا العبارات، وحولوا التمرد العفوي إلى زخرفة صالونات مريحة، محققين الخوف القديم من تحويل الانفجار الصارخ إلى تحفة تُعلق للزينة.

​ما ندعوه حنيناً يقع تماماً في خانة الحيل الدفاعية للنفس البشرية؛ فالجمهور الذي شح بوقفته يوم الحاجة، يفرط اليوم في البكاء، كون الحزن عاطفة مجانية تمنح أصحابها مهرباً من وطأة ذنب حقيقي.

​كان في أوج حاجته إلى مجتمع يتسع لأسئلته الصاخبة، ويحتويه وهو يتآكل في عزلته. والجمهور بطبعه يفضل الفنان المستأنس، العازف الذي يمرر البهجة ويترك العقول غافية. وعندما انطفأ، أخرجوا صوره معلنين لوعة الفقد، متناسين كم كان وجوده ثقيلاً على طمأنينتهم الزائفة.


مشاركة المقال :