بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
لم تكن أوروبا التي خرجت من رماد حربين عالميتين تتخيل أن يأتي يوم تعود فيه إلى الحديث عن ” الردع النووي ” بوصفه ضرورة وجودية لا مجرد خيار عسكري ، فالقارة التي شيدت مشروعها الحديثعلى أنقاض الدبابات وأرادت أن تستبدل صوت المدافع بضجيج المصانع والجامعات والأسواق تجدنفسها اليوم أمام سؤال قديم بملامح جديدة وهو : هل يمكن للسلام أن يعيش من دون ظل القوة ؟
إن النقاش الدائر حول انخراط ” ألمانيا ” في ” المظلة النووية الفرنسية ” لا يتعلق في جوهره بالصواريخوالرؤوس النووية بقدر ما يتعلق بالتحولات العميقة التي أصابت العقل الأوروبي نفسه ، فهذه القارة التيجعلت من الديمقراطية والتكامل الاقتصادي عقيدة سياسية بدأت تكتشف أن التاريخ لا ينسى بسهولة ،وأن أشباح الحرب الباردة لا تزال تتجول في أروقة القصور الرئاسية وغرف التخطيط العسكري ، فلقدأمضت ألمانيا عقودا طويلة وهي تحمل إرث الماضي فوق كتفيها ، إرث الهزيمة ، وذاكرة الخراب ،والشعور الأخلاقي الثقيل تجاه كل ما يمت بصلة إلى التسلح ، حيث كانت برلين تدرك أن قوتها الحقيقيةلا تكمن في امتلاك السلاح بل في قدرتها على تحويل الاقتصاد إلى نفوذ والتجارة إلى لغة عالمية جديدة ،غير أن الحرب ” الروسية الأوكرانية ” والتصدعات التي أصابت الثقة الأوروبية بالمظلة الأمريكية أعادتإلى السطح أسئلة ظنت القارة أنها دفنتها مع سقوط ” جدار برلين ”
ففي لحظات الخوف الكبرى تتغير الفلسفات وتتبدل الأولويات ، وما كان يعد بالأمس إرثا خطيرا أصبحاليوم يوصف بأنه ضرورة استراتيجية ، لتعود أوروبا بذلك إلى مفردات الردع والتوازنات النووية وكأنهاتستعيد قاموسا قديما أخفته طويلا خلف شعارات ” السلام والتعاون ” ، لكن المفارقة الأكثر قسوة تكمنفي أن البشرية التي بلغت ذروة تقدمها العلمي والتكنولوجي ما زالت عاجزة عن بناء أمنها خارج منطقالفناء المتبادل ، فالسلاح النووي الذي ولد من رحم الفيزياء الحديثة لم يصبح أداة للحرب بقدر ماتحول إلى فلسفة كاملة تقوم على فكرة مرعبة وهي : الحفاظ على الحياة عبر امتلاك القدرة على إنهائها ،فالردع النووي ليس مجرد ترسانة من الصواريخ والغواصات ، إنه اعتراف ضمني بأن السلام العالمي لايقوم دائما على الثقة بل على الخوف ، خوف الدول من بعضها وخوف الإنسان من الإنسان وخوفالحضارة من أن تسقط فجأة في هاوية صنعتها بيديها ، ولذلك فإن كل خطوة جديدة نحو توسيع ” المظلة النووية ” ليست حدثا عسكريا عابرا بل شهادة على أزمة أعمق تعيشها البشرية ، أزمة البحث عنالأمان في عالم لم يعد يثق إلا بالقوة
وفي مكان ما من المشهد الأوروبي تقف ” فرنسا ” القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي ، محاولة أنترسم لنفسها دورا جديدا في قارة مضطربة ، أما ” ألمانيا ” التي كانت يوما رمزا للتوبة التاريخية فتجدنفسها مضطرة إلى إعادة تعريف علاقتها بالقوة والردع والمصالح الجيوسياسية ، وبين باريس وبرلين لايدور النقاش حول القنابل وحدها بل حول مستقبل أوروبا نفسها : هل ستظل مشروعا سياسيا واقتصاديا، أم أنها تتجه لتصبح قوة عسكرية مستقلة تعيد تشكيل توازنات العالم ؟ ، ومن هنا تأتي الإجابة الأكثرإيلاما في حقيقة أن الإنسان بعد كل هذه القرون من الفلسفة والثقافة والتقدم ما زال يبحث عنالطمأنينة في أكثر أدواته قدرة على التدمير ، وكأن الحضارة الحديثة رغم ما أنجزته من معجزات لمتتجاوز بعد غريزتها الأولى ، غريزة ” البقاء بأي ثمن ” ، لتبدو أوروبا اليوم بذلك وهي تقف على تخوممرحلة جديدة ممزقة بين ذاكرة الحرب وحلم السلام ، وبين أخلاقيات الماضي وضرورات الحاضر ، ومنتلك المسافة الضيقة بين الخوف والقوة يكتب العالم فصلا آخر من حكايته القديمة وهي : حكايةالإنسان الذي لم يتعلم بعد كيف يصنع الأمن من دون أن يلوح في الأفق شبح النهاية .
