مَـــن يـمـلك حـــق تفسيـــر الــــذات؟ الرعاية وسلطة المعنى في رواية “باتريا او مويرتي”

مـحــمـد الـكــلابــــي

منذ زمن طويل ابتعدت عن قراءة الروايات، فقد أطال عملي التدريسي صحبتي لكتب الفكر والفلسفة حتى ألفت مجالسها، وصرت أجد في الفكرة المحكمة غناءً عن تعقّب المصائر المتخيلة. وربما أوهمني طول المكث بينها أن الإنسان يُعرف بما يفكر فيه أكثر مما يُعرف بما يقع له. ثم أخذ هذا اليقين يضيق بي على مهل، إذ تبين لي أن الفكر يبلغ الخوف بعد أن ينتظم في مفهوم، وأن الحكاية تستطيع ملاحقته وهو لا يزال رجفةً مبهمةً أو صمتاً لم يهتد صاحبه إلى علته.

عدت إلى الرواية وفي ذهني مطلب جديد: أن أجد فيها سؤالاً يبقى في النفس بعد أن تهدأ أحداثها وتغيب أسماء أبطالها. وفي رواية “باتريا او مويرتي” للكاتبين زينا شيخي وجمال سليمان، وجدت حكايةً تنهض على فقدان الذاكرة، ثم تمضي بهذا الفقد إلى أصل شعور الإنسان بأنه الشخص نفسه الذي كانه بالأمس. نلقى زيناسكا في مقبرة وقد انقطع عنها ماضيها، ثم تدخل بيت جورجيوس، الرجل الذي اعتاد وحدته حتى غدت نظاماً لحياته، فتأخذ الألفة في النمو بينهما عبر حوار طويل تتداخل فيه الفلسفة مع الحاجة والعاطفة. ومن هذا اللقاء ينشأ السؤال الذي يشد أجزاء الرواية: كيف تعرف الذات نفسها حين يتعذر عليها الرجوع إلى تاريخها، ويصبح إنسان آخر أقرب سبيل متاح لها إلى نفسها؟

اســمٌ نـجــا وضـاعــت صـاحـبـتــه

وضعت الرواية أزمتها في صورة كاملة منذ المشهد الأول؛ كانت زيناسكا تسير بين شواهد القبور، تجر حقيبةً ثقيلةً وتحمل في عنقها عقداً كُتب عليه اسمها. حولها أسماء اكتملت دلالتها بتاريخين يحدان زمن أصحابها، وعلى صدرها اسم عارٍ من الزمن الذي كان يمنحه معناه. دلّها العقد على اللفظ الذي يمكن أن يناديها به الناس، وظلت صاحبته بعيدةً عنها، فيما حمل الجسد إعياء سفر لا تعرف بدايته، وضمت الحقيبة بقايا حياة انقطعت أخبارها.

اختيار المقبرة منح أزمة الهوية شكلاً محسوساً قبل أن تتولى العبارة شرحها؛ فالاسم المعلّق بعنق زيناسكا غدا كعنوان كتاب ضاعت صفحاته، والحقيبة أدت وظيفة أرشيف مغلق يحمل الأدلة ويحجب سياقها. وقد وُزعت الذاكرة بين المقبرة وما تحمله زيناسكا في يدها وعلى جسدها، فنشأ السؤال الفلسفي من صميم الحادثة متأصلاً في بنائها. وجاء الاستهلال من أصفى مواضع الرواية، إذ جعل القارئ يرى انكسار الصلة بين الشخص وماضيه قبل أن يسمع تفسيراً لذلك الانكسار.

ويتصل هذا الانكسار بتاريخ العنوان نفسه؛ فعبارة “Patria o Muerte” تعني بالإسبانية (الوطن أو الموت) ، وقد نطق بها فيدل كاسترو للمرة الأولى في الخامس من مارس سنة 1960، وهو يؤبّن ضحايا انفجار السفينة “لا كوبر”، ثم غدت شعاراً للثورة الكوبية. كانت العبارة تربط اكتمال الانتماء بالاستعداد للموت في سبيله، وتظهر زيناسكا بين القبور وقد بقيت لها الحياة منقطعةً عن التاريخ الذي تستدل به على موضعها من العالم؛ وهي حال لم يلحظها الشعار في صيغته الأصلية، فيمتد معنى الوطن داخل الرواية إلى التاريخ الشخصي الذي يعرف به المرء موضعه من الحياة.

تفضي الهوة بين العلامة وصاحبتها إلى مفهوم الهوية السردية عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، كما بسطه في الدراستين الخامسة والسادسة من كتابه (الذات عينها كآخر). فالإنسان يحفظ استمرار ذاته بالحكاية التي يصل بها فعله بعاقبته، ويعيد من خلالها تأويل ما مضى كلما تغير موضعه من الحياة؛ ومن ثم يستوعب التحول ضمن سيرة واحدة. تعذر على زيناسكا بلوغ هذا النسيج الجامع، فغابت السيرة التي تنسب ما بقي لديها إلى حياة تعرف أنها حياتها.

كنت أحسب أن غرابة زيناسكا عن ماضيها ستجعلها غريبةً أيضاً عن المعارف التي نجت في ذاكرتها. غير أنها تظهر، بعد وقت قصير، قادرةً على مناقشة فرويد ويونغ وهيغل وماركس، ولا يساورها قلق ظاهر من أفكار حاضرة في ذهنها وقد غاب عنها زمن تعلمها وطريق دخولها في تكوينها. يظل بقاء المعرفة الدلالية مع غياب الذاكرة الشخصية احتمالاً مقبولاً داخل العالم الروائي، ويستحق ما يحدثه هذا الانقسام في وعيها عنايةً أوسع: أن تتوجس من رأي تعثر عليه جاهزاً في رأسها، أو ترتاب في حكم يتعذر عليها رده إلى خبرة معلومة. وقد أضعف الرواية أن هذا القلق لم يأخذ مداه؛ فخفت تبعات النسيان في وعيها تدريجياً، وبقي أثره أصدق في الاستجابات التي تسبق التفكير.

كان جسدها أسبق من وعيها إلى الخوف؛ ففي المقبرة تراجعت أمام جورجيوس قبل أن يصدر عنه ما يسوغ تراجعها، وحين طُرق باب البيت تأهب بدنها للمقاومة، ثم لم تجد وراءه سوى عامل التوصيل. يتأخر الفكر عن استدراك ما جرى، كأن التجربة فقدت صورتها واحتفظت بأمرها، فظل البدن يطيع ماضياً محذوفاً كلما لامس الحاضر إحدى علاماته.

في كتابه (التعلم من الخبرة) يقول ويلفريد بيون إن بعض الانفعالات تصل إلى النفس في هيئة خام تسبق قدرتها على التفكير، ويسميها “عناصر بيتا”، وتتولى “وظيفة ألفا” تحويلها إلى خبرة يمكن تمثلها وربطها بسواها. وهذا ما نراه في خوف زيناسكا؛ فجسدها يستجيب أولاً، ويجيء الوعي بعده باحثاً عن سبب الرجفة. وفي كتابه “عناصر التحليل النفسي” يواصل بيون تطوير العلاقة بين الوعاء والمحتوى، حيث تحتاج الخبرة المربكة أحياناً إلى نفس أخرى تحتملها بهدوء حتى تجد صورةً ولغة. ولا أقصد بذلك إخضاع زيناسكا لتشخيص سريري؛ فما يعنيني هو الطريقة التي جعلت بها الرواية الجسد يعرف قبل الوعي، وأتاحت لزيناسكا، عبر هدوء جورجيوس، أن تسمي ما يجري فيها. وقد بلغت الكتابة النفسية في هذه المواضع درجةً عاليةً من الذكاء، لأنها جعلت الخوف مرئياً في حركة اليد والنفَس قبل أن تمنحه سبباً.

ومع جورجيوس وجدت حضوراً يحتمل اضطرابها من غير أن يزيده فزعاً؛ فقد منحها بيتاً يرد عنها وحشة الطريق، وترك بينها وبينه من المسافة ما يهدئ خوفها. أخذ الاطمئنان يتكون من أفعال صغيرة تتكرر حتى صارت أيامها قابلةً للتوقع؛ يعد القهوة، وينتظر جوابها حين تسكت، فتسترد النفس شيئاً من نظامها كلما وثقت بأن الغد لن يفاجئها بأذى جديد.

وأيقظت هذه الرعاية في جورجيوس حاجةً خفيةً تخصه؛ فقد رأى في عونه لها دليلاً على قدرته على الحماية، ووجد في إصغائها سبيلاً تخرج به معرفته من عزلة الرأس إلى حياة إنسان آخر. صار فضوله متصلاً بما تمنحه له من إحساس بقيمته، وأصبح كل واحد منهما يسد في صاحبه فراغاً لم يصنعه اللقاء وإن كان قد كشفه. أمهلت الرواية هذا التكوين زمناً كافياً، فجاءت العاطفة ثمرةً لمعيشة مشتركة غيّرت موضع كل منهما في نفس الآخر. وقد أصاب السرد طبيعة التعلق، إذ جعل الغياب ثقيلاً بعد أن سبقه اعتياد طويل على الحضور.

حـيـــن تـصبـح الـرعـايــة سلطــةً

كلما تأملت هذا القرب، بدا لي أن الرعاية لم تمنح زيناسكا الأمان وحده، فقد منحت جورجيوس موقعاً مؤثراً في الطريقة التي ستفهم بها نفسها؛ فجورجيوس يملك تاريخاً يرجع إليه ولغةً يفسر بها ما يراه، وتستقبل زيناسكا تفسيراته من غير ماضٍ معلوم تختبرها في ضوئه. ومن يسمّي مشاعر إنسان فقد سيرته يسهم، ولو بحسن قصد، في تشكيل الصورة التي سيتعرف بها ذلك الإنسان إلى نفسه. يخفف المعنى الذي يقدمه جورجيوس من فوضى الإحساس، ثم يستقر بعضه في داخلها قبل أن يتاح لها اختباره بمعرفة مستقلة.

كانت هذه العقدة جديرةً بمواجهة أشد حضوراً؛ فزيناسكا تدرك التفاوت، وترد على ثقل السؤال بالصمت أو بإعادته إلى جورجيوس، ثم تمضي الحكاية نحو الاعتراف بالعاطفة من دون امتحان حاسم لسلطته التأويلية. وبهذا الاكتفاء خسرت الرواية امتحاناً أخلاقياً مهماً؛ فقد ظل اعتراض زيناسكا دفاعاً فردياً مبعثراً، ولم يتحول إلى حوار يحدد حقه في تفسيرها وحقها في نقض تفسيره. مواجهة كهذه كانت ستكشف مدى قدرة جورجيوس على حب امرأة لا تعود مطابقةً للصورة التي ساعدها على بنائها.

ظل الاعتراف المباشر شاقاً عليهما، فوجدا في الفلسفة لغةً تخفف مشقته. حين يتحدثان عن الجهاز النفسي عند فرويد، يصفان نزاع الرغبة والرقابة والوعي كما لو كان شأناً عاماً، وتدخل تجربتهما في الكلام من وراء المصطلح. هكذا تصير الفكرة سيرةً تتكلم بضمير الغائب؛ يقول الواحد منهما في “الإنسان” ما يخشى أن يقوله في نفسه، ويسمع الآخر اعترافاً مستتراً في هيئة درس.

ثم يتسع الحوار من باطن الفرد إلى اللاوعي الجمعي عند يونغ، ويكتسب مع هيغل حركةً تقوم على التناقض والتحول، قبل أن يعيده ماركس إلى شروط العيش المادية. وتواكب عناوين الفصول هذا الاتساع على نحو محسوب؛ يبدأ “الجهاز النفسي” من الغرفة الداخلية، وتحول “الجدلية” اختلافهما إلى حركة، ويحمل فصلا الشفقة واللاإنجابية العلاقة إلى سؤال المسؤولية الأخلاقية، وينتهي التدرج إلى “الانجذاب الفكري” وقد صار التفكير نفسه حادثةً عاطفية. وتكمن براعة البناء في أن ترتيب الأبواب يجسد تحول الصلة بين الشخصيتين، فيغدو عنوان الفصل مرحلةً من مراحل المعرفة المتبادلة.

أثقل الشرح الفلسفي بعض الحوارات حتى كاد جورجيوس يغادر شخصيته إلى موقع المحاضر؛ تسأله زيناسكا سؤالاً قصيراً، فيتولى شرح المذهب وتقريب المصطلح، ويبطؤ الزمن إلى حد يشعر معه القارئ أن صوت الشارح حل محل صوت الشخصية. وكانت الأفكار ستزداد حياةً لو دفعت ثمناً داخل الحكاية، بأن تغيّر قراراً أو تُحدث سوء فهم يكشف الفرق بين امتلاك المفهوم والقدرة على العيش وفقه. وبقاؤها في صورة معلومات صحيحة يخفض التوتر الدرامي ويقرب الحوار من الشرح التعليمي.

وفي فصل اللاإنجابية تمس الفكرة مصير العلاقة نفسها؛ فالتحفظ من استدعاء حياة جديدة إلى عالم مثقل بالحرب والألم يحمّل الحب تبعةً تمتد إلى من قد يولد منه، ويجعل الاستمرار مسألةً أخلاقيةً تحتاج إلى اختيار. ويترك الفصل في النفس احتمالاً آخر للاستمرار: أثراً يصنعه الإنسان بوعيه، ويظل مسؤولاً عما يودعه فيه من معنى.

خرجت إلى المدينة وهي تحمل في داخلها صورتين متداخلتين: الرجل الذي تعلقت به، والحياة الذهنية التي أيقظتها صحبته. وكان عسيراً عليها أن تفصل تعلقها بشخصه عن إعجابها بالمرأة التي أخذت تكتشفها في نفسها منذ عرفته. وحين رأت الكتب في واجهة المكتبة كأنها مرايا للروح، خطر لها أن الإنسان الذي يغير طريقة تفكيرنا يترك أثراً في الطريق الذي نمضي فيه، فعادت إليه بعدما انحسر ترددها واتضح لها ما تريد قوله.

ولعل زيناسكا اختارت لقرارها اللغة التي ألفتها مع جورجيوس؛ فقد أخبرته أن مناقشاتهما جعلتها تعيش ما كانت تقرؤه، فاقترح أن يكتبا كتابهما معاً، واكتسبت النهاية بذلك طبقةً تتجاوز الإقرار بالعاطفة. فالنص المتخيل الذي سيحمل صوتيهما يجاور الرواية التي بين يدي القارئ، وقد حمل غلافها اسمَي زينا شيخي وجمال سليمان، فتصير الشراكة المقترحة داخل الحكاية صدى للشراكة المعلنة على الغلاف. وتنجح اللعبة الفنية لأنها ترد سؤال الهوية إلى سلطة الكتابة نفسها: من يروي الحياة يشارك في تقرير الصورة التي تبقى منها.

ولا أدري بأي صوت سيكتبان، ولا أيهما سيملك الجملة الأولى، غير أن زيناسكا قطعت بين أول الرواية وآخرها مسافةً لا تقاس بالأيام؛ فقد دخلت المقبرة واسمها يتدلّى من عنقها كمتاع يخص امرأةً مجهولة، ثم عادت لتحمله إلى غلاف كتاب ستشارك في صنعه. وتكشف هذه المسافة عن احتمال أغفلته عبارة (الوطن أو الموت): أن يفقد الإنسان وطنه في الذاكرة، ثم يبنيه في اللغة، وأن تكون الصفحة التي يكتبها بيده أول أرض لا يستطيع الماضي أن يطرده منها.


مشاركة المقال :