يــحـيـــى رعـــــد
في بقاع كثيرة من العالم، يستقر السكن في وجدان الناس كحق طبيعي متاح، يولد مع الفرد وينمو في كَنَفه. تحول المأوى في البيئة العراقية إلى معضلة وجودية، وتجارة تلتهم أعمار الكادحين، بل أضحى غاية قصوى قد تنتهي الحياة دون ملامستها. السؤال الأعمق اليوم: لماذا لا توجد حتى الآن سياسة إسكان وطنية حقيقية تجعل الفرد يشعر أن امتلاك جدران تأويه هو أمر طبيعي، بعيداً عن خوض معركة يومية ضد العوز والأسعار والبيروقراطية؟
تتجلى المعاناة عندما نلتفت إلى جغرافية البلد؛ فالأرض تمتد على مداها، والخيرات الكامنة في أعماقها تفوق الوصف، وثمة فضاءات ترابية شاسعة تتسع للجميع. تقف آلاف العائلات في طوابير الانتظار الطويلة، يتقاذفها جحيم الإيجارات المرتفعة، وتضطرها الظروف للعيش في جحور متهالكة وصفيح ساخن، بانتظار معجزة حكومية تمنحهم شبراً صغيراً يبنون فوقه غد المجهول.
عندما تنغلق الأبواب القانونية والاقتصادية تماماً أمام تطلعات الشخص، ويجده عاجزاً عن تأمين دار بسيطة لعياله، فإنه يبحث غريزياً عن البديل الذي يحميه من رصيف الشارع. تنبثق ظاهرة التجاوز كخيار إجباري لا ترف فيه. العائلات التي شيدت جدراناً طينية أو خرسانية متواضعة فوق أراضي الدولة فعلت ذلك لأن أبواب المضاربات العقارية أوصدت في وجوههم، ولأن المنظومة الرسمية غابت عن المشهد وحرمتهم من البديل الواقعي.
حين يحتاج الموظف البسيط إلى رواتب عقود كاملة ليشتري متراً واحداً، وتصبح المساحة الترابية مشروع ديون يمتد لجيل آخر، فإن التجاوز هنا يتعدى كونه مخالفة إدارية؛ إنه صرخة احتجاج صامتة، وتعبير حي عن اختلال بنيوي عميق. المؤسف أن الأجهزة التنفيذية تواجه هذه الكتل الإسمنتية بالجرافات والحديد، وتغمض عينيها عن المشكلة الحقيقية التي دفعت الناس لرفع هذه الجدران.
إن تجارب الدول القريبة اقتصادياً واجتماعياً منا تكشف أن الحلول ممكنة وليست مستحيلة؛ إذ نرى برامج الإعمار المدعومة، والشقق الميسرة المخصصة للطبقات الكادحة، ومشاريع الإيجار المفضي إلى التمليك، والصناديق التمويلية الميسرة التي تمتد لعقود. يجد المواطن العراقي نفسه عالقاً في مثلث ضيق: الرضوخ لقروض مصرفية باهظة ترهن مستقبله ومستقبل عياله، والعيش تحت رحمة مالك العقار ومزاجه المتقلب، والمخاطرة بالبناء العشوائي في مناطق تفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية.
الدار في حقيقتها ركيزة الاستقرار النفسي، والمنطلق الأساسي الذي تبني عليه الأسرة خططها للغد، والحصن الذي يحمي الطفولة من شبح التشرد المستمر والخوف من المجهول. كيف يمكن لشاب في مقتبل العمر أن يفكر بالاستقرار وبناء أسرة وهو يعلم عجز جيبه عن توفير غرفتين؟ كيف تحافظ العائلة على كرامتها وهي مهددة بالطرد عند نهاية كل شهر إذا عجزت عن مجاراة جشع الأسواق؟ وكيف نتبجح بالحديث عن خطط التنمية والإعمار وجرح السكن يتسع ويتعمق يوماً بعد آخر؟
تفتقر البيئة المحلية إلى مشروع إسكان وطني حقيقي؛ خطة شاملة تمنح الأولوية المطلقة لمن لا يملك شبراً في هذه الأرض، وتوفر وحدات سكنية مدعومة للطبقات المسحوقة، وتطلق مدناً حديثة مخططة تسحب الأرض من أيدي المضاربين والمنتفعين لتعيدها إلى وظيفتها الأولى: وسيلة للأمن البشري والاستقرار الاجتماعي. المستثمرون يركزون على بناء مجمعات فاخرة تُعرض في شاشات التلفاز وتباع بأسعار خيالية لطبقة معينة تملك المال.
الحق كل الحق في سقف آمن يحفظ الكرامة. إن المنظومة التي تقف متفرجة على ناسها وهم يلوذون بالعشوائيات بحثاً عن مأوى، ثم تتحرك بآلياتها لمعاقبتهم، هي منظومة تلاحق الدخان وتترك الحريق مستعراً في الجسد. وحين يصبح السقف حلماً مستحيلاً في أرض الرافدين، تكتشف أن المعضلة تجاوزت حدود أزمة العقار والأسعار، لتكشف عن فجوة عميقة تركت الإنسان يتيماً على بساط ثروته.
