أ.د.أحمد فرحان التميمي
إن بلوغ نهائيات كأس العالم يمثل في ظاهره ذروة المجد الرياضي لأي بلد، إلا أنه في العمق قد يتحول إلى “ستار دخاني” كثيف يحجب خلفه ركاماً من الإخفاقات الإدارية والتخطيطية التي تفتك ببقية المفاصل الرياضية. هذا الإنجاز الذي يُسوق كقفزة نوعية، ليس في الحقيقة إلا مسماراً أخيراً يُدق في نعش الألعاب الأخرى التي باتت تعيش على هامش النسيان، حيث تلتهم كرة القدم بميزانياتها الضخمة وضجيجها الإعلامي كل فرص النمو للرياضات الفردية والجماعية الأخرى. إن الإشكالية تكمن في أن هذا “الإنجاز الوهمي” من حيث النتائج المؤسساتية يُستخدم كذريعة لإثبات نجاعة منظومة إدارية متهالكة، في حين أن التأهل غالباً ما يكون نتاج مجهودات فردية أو صدفة جيل موهوب، وليس انعكاساً لاستراتيجية وطنية شاملة. وبينما تنشغل الماكينة الإعلامية بالاحتفاء بالانتصارات الكروية، تظل الصالات الرياضية ومضامير القوى تعاني من إهمال لا يوصف، حيث يفتقر الأبطال في الألعاب “الشهيدة” لأبسط مقومات الإعداد الأولمبي، ويُجبرون على مواجهة التحديات الدولية بصدور عارية من الدعم المادي والمعنوي. إن هذا التركيز الأحادي لا يدمر التنوع الرياضي فحسب، بل يكرس ثقافة “تأليه النتائج اللحظية” على حساب البناء القاعدي، مما يجعل من التأهل العالمي مخدراً موضعياً يطيل أمد الأزمة الإدارية داخل الاتحادات، ويمنح الشرعية لمن تسببوا في تراجع الرياضة وتصنيفها العام. فالميزانيات التي تُهدر تحت بند المكافآت والمعسكرات الباذخة للمنتخب الكروي كانت كفيلة بصناعة عشرات الأبطال الأولمبيين في تخصصات مختلفة، لكن تغليب المشهد الاستعراضي على العمق الفني حوّل الرياضة من رسالة بناء مجتمعي وتفوق بدني شامل إلى مجرد أداة لتغطية العجز التنظيمي، لتصبح الفرحة بالوصول إلى المونديال هي الجنازة الصامتة لما تبقى من طموح في بقية الاتحادات الرياضية التي لم يعد يربطها بالواقع سوى لافتات متهالكة على أبواب مقراتها المهجورة.
