أين يمضي النوم حين يهجرنا؟…قراءة في نص الشاعرة نجوى غانم

محمد الكلابي

النومُ فعلُ ثقةٍ. هذا ما فهمته من بيسيل فان دير كولك في كتابه (The Body Keeps the Score)، حين وصف الكائن المثقل بالذاكرة الصادمة — أنه لا يرفض النوم، بل لا يستطيع أن يثق به. الإنسانُ السليم ينام لأنه يؤمن بأن ما بعد هذه اللحظة آمنٌ، وأن الوعي حين يتوقف لن يعود إلى ما كان. أما من عاش ما لم يُعالَج، فيبقى ساهراً لا عناداً، لأن شيئاً فيه لم يقتنع بعد أن الخطر انتهى. حين قرأت نصّ الشاعرة نجوى غانم “من أين يأتي النوم؟” وجدت أن هذه الفكرة تنبض في كلّ سطرٍ منه — لكن الشاعرة لا تُنظّر، تُجسّد.

العنوانُ نفسه يبدو للوهلة الأولى سؤالَ فضولٍ، لكنك حين تقرأ ما يليه تكتشف أنه نداءٌ من وقف أمام النوم طويلًا وفشل في استدراجه. ليس “كيف أنام” — ذاك يبحث عن تقنية. “من أين يأتي النوم؟” صوتٌ من بدأ يشك في وجوده أصلًا.

الأجفانُ مثقلةٌ بحديدِ الذاكرةِ،

والطرقاتُ تستطيلُ في داخلي

كجرحٍ لا يبرأ

الحديد هنا ما يتركه الألم حين يمرّ ولا يمرّ تماماً — أثره لا حضوره. الذاكرة لا تؤلم دائماً، لكنها تثقل. وهذا ما يصفه مارتن سليغمان في نظرية العجز المكتسب: حين يتعرض الإنسان لضغوطٍ تتجاوز قدرته على الاستجابة، لا يفقد إرادته وحسب، يفقد الآليات الأكثر بدائية في كيانه — النوم، الشهية، الإيقاع. لا يعصي، لكنه ينسى. نجوى غانم تصف هذا النسيان بعينه — شيءٌ لم يعد يعرف كيف يتوقف.

والطرقات التي “تستطيل كجرحٍ لا يبرأ” تكمل الصورة من زاويةٍ أخرى. الجرح الذي لا يُبرأ لا يعني دائمًا جرحاً عميقاً — أحياناً يعني جرحاً لم يجد هدوءاً يلتئم فيه. حين تستطيل الطرقات الداخلية بلا نهاية، الداخل يفقد حدوده. وما بين ما هو أنت وما هو العالم لم يعد ثمة خطٌّ فاصل — وذلك الخط تحديداً هو ما يحتاجه النوم ليجد طريقه.

من أين يأتِي النومُ،

والمدينةُ تستلقي على صدري

كجبلٍ من رمادٍ،

تتنفّسُ بي نزيفها،

وأتنفّسُ بها انطفائي؟

ثقلُ المدينة مألوفٌ في الشعر، لكن التبادل هنا يأخذ شكلاً مغايراً. هي تتنفس بالإنسان والإنسان يتنفس بها، لكن ما تعطيه نزيفٌ، وما يعطيه انطفاءٌ. تستمرّ وهو يتلاشى. وهذا الوجه الحقيقي للاستنزاف الحضري — لا أنه يسرق طاقتك، بل أنه يجعلك شريكاً طوعياً في استمراره بينما أنت تختفي. والرماد لا شكل له، يدخل الرئتين دون أن تراه ودون أن تستطيع منعه.

من أين يأتِي النومُ،

والأرواحُ المعلّقة بين التراب والسماء

تقرع أبواب قلبي،

وتُوقظُ في وجهي مرايا الغياب؟

“مرايا الغياب” — أتوقف عند هذه العبارة لأنها تنطوي على مفارقةٍ تشريحية. المرآة تُريك ما هو أمامك، والغياب بطبيعته لا وجود مرئيّاً له. لكن الفقد الحقيقي هو أن ترى بوضوحٍ حادٍ ومؤلمٍ ما لم يعد موجوداً. الغائب لا يغيب كلياً — يبقى في شكل سلبه، في الفراغ الذي نحته حين رحل. والأرواحُ المعلّقة بين التراب والسماء ليست صورة دينية بقدر ما هي صورةٌ نفسية لتجاربٍ لم تُغلق، لعلاقاتٍ بقيت في منتصف الجملة، لأسئلةٍ لم يأتِ جوابها في الوقت المناسب. والأسئلة التي لا تُجاب لا تختفي — تظلّ مفتوحةً كجرحٍ يرفض الالتئام.

من أين يأتِي النومُ،

والليلُ يتلعثمُ في لغتي،

ويهربُ مذعوراً

من فجرٍ يتيمٍ،

ضاع في سراديب الخراب

التلعثم هو الحالة التي تعرف فيها ما تريد قوله ولا تستطيع قوله. لا صمتٌ ولا كلامٌ — شيءٌ بينهما، معلقٌ كالأرواح نفسها. حين يتلعثم الليل، فالزمن فقد إيقاعه الداخلي. النوم لا يحتاج إلى جسدٍ مرهقٍ فقط — يحتاج إلى إيقاعٍ يُخبر الكيان بأن هذه اللحظة انتهت وأن ما بعدها مختلف. لكن حين يهرب الليل مذعوراً من فجرٍ يتيمٍ “ضاع في سراديب الخراب”، فاللحظات لم تعد تعرف كيف تنتهي. وما يبقى هو الحاضر المستمر — حاضرٌ لا يعرف كيف يصبح ماضياً، ساعةٌ لا تجد نفسها في خانة الأمس.

الشاعرة نجوى غانم لا تشرح الأرق، تُعيد بناءه. والبناء يحتاج شاهداً لا طبيباً — من يصف الأعراض من خارجها لا يرى ما يراه من يحملها حين يتكلم. لهذا لا تتأثر بما تقرأ — بل تجد نفسك فيه. كأنك كنت تبحث منذ زمن عن الاسم الصحيح لشيءٍ مقيمٍ فيك، وفجأة وجدته مكتوباً بخطّ يدٍ شخصٍ آخر. الكتابة حين تبلغ هذا المستوى لا تمنحك شيئاً جديداً — تُعيد إليك ما كان لك دائماً، لكن مُرتّباً بشكلٍ لم تستطع أنت أن تُرتّبه.


مشاركة المقال :