حيدر كاطع المرشدي
في عالم يفيض بالضجيج البصري والرقمي ويتسارع فيه كل شي يبدو الحديث عن المسرح وكأنه حنين قديم وعن مسرح الطفل تحديدآ كأنه ترف فكري لا مكان له في عالم الشاشات اللامعة لكن الحقيقة العميقة تقول العكس تمامآ الطفل لا يحتاج مسرحآ للترفيه بل يحتاجه ليحيا ليُفكر ليشعر ليكتشف العالم لا من خلال الشاشة بل من خلال لحظة حيّة تنبض بالدفء والخيال
الطفل في المسرح ليس متفرجآ صغيرآ يجلس على الكرسي ويصفق متى ما صفق بل هو صاحب حق له الحق في أن يرى نفسه على الخشبة أن يحاور الواقع عبر رموزه أن يرى العالم بمنظاره الخاص دون أن تُفرض عليه نماذج الكبارلهذا فمسرح الطفل الحقيقي ليس ذلك الذي يضحك الأطفال فقط بل هو الذي يحاورهم يصغي إليهم ويعطيهم صوتآ ووجودآ داخل الحكاية
لكن أين نحن من هذا التصور النبيل؟ أغلب ما يُقدم اليوم تحت مسمى مسرح الطفل لا يتجاوز كونه استعراضآ شكليآ تُلقى فيه النكات وتُلبس فيه الأزياء الملونة مع كثير من الصراخ وقليل من الفن المسرح الذي نحتاجه هو مسرح يُراعي المرحلة العمرية ويتعامل مع الطفل بوصفه كائنًا له وعيه الخاص ومشاعره العميقة وأسئلته الكبيرة التي تحتاج فنًا شجاعًا ليقترب منها
المسرح منذ بداياته كان وسيلة اتصال حيّة بين الإنسان والوجود وما الطفل إلا أكثر الكائنات قربًا من جوهر الوجود وبدايات الأشياء فهو لم يُلوّث بعد بالمجاملات ولم يُرهق بالتصنيفات ولذلك فإن أقوى جمهور يمكن للمسرح أن يواجهه هو جمهور الأطفال فهم لا يصفقون لمجرد المجاملة ولا يتظاهرون بالإعجاب إما أن يُصدّقوا العرض أو لا وهذه الحقيقة تضع الفنانين أمام مسؤولية مضاعفة أن يكونوا صادقين ومبتكرين وعميقين
وفي العراق كما في كثير من البلدان لا يزال مسرح الطفل يُعامل كفصل هامشي في المشهد الثقافي قلّما نجد دعمًا مؤسساتيًا حقيقيًا لهذا الفن وندر أن يُنظر إليه بوصفه أداة بناء حضاري وثقافي والنتيجة واضحة عروض موسمية وكتابة مسرحية ضعيفة وقلة في التدريب والتأهيل كل ذلك ينعكس على ذائقة الطفل وعلى غياب تجربة مسرحية مؤثرة في سنواته الأولى
لكنّ الأمل موجود بل يتجدّد كل يوم من خلال مبادرات فردية وفرق شبابية تُراهن على التغيير وتكتب وتخرج وتعرض رغم الصعوبات من هنا تبدأ النهضا من إيمان عميق بأن الفن ليس ترفًا بل ضرورة وأن الطفل لا ينتظرنا بل ينمو في كل لحظة ويستحق أن نواكبه بفن راقٍ حيّ وشجا
إننا بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي لمسرح الطفل مشروع لا يكتفي بالاحتفالات بل يضع خطة لتأهيل الكُتّاب والممثلين والمخرجين ويدمج المسرح في المناهج التربوية ويفتح الفضاءات العامة ليكون المسرح قريبًا من الطفل لا محصورًا داخل القاعات
في النهاية مسرح الطفل ليس مجرد عرض بل هو فعل تربوي وثقافي ومجتمعي هو رسالة تقول للطفل نحن نراك نفهمك ونحترمك. وحين يشعر الطفل بأنه مرئي تنفتح أبواب الإدراك ويبدأ الوعي في التشكل لا كنسخة مكررة عن الكبار بل ككائن مستقل له لغته وخياله وصوته
حيدر كاطع المرشدي
