ازدحامات بغداد تضرب الرياضة في مقتل

حارث أحمد جابر

 

تشهد بغداد ازدحامات مرورية خانقة لم تعرف مثيلًا منذ عام 2003، حين فُتحت الحدود أمام سيلٍ من السيارات بلا قوانين أو تخطيط واضح. ومع مرور السنوات، تفاقمت الأزمة بفعل الإهمال المزمن للبنية التحتية، وبقاء شبكة الطرق القديمة التي شُيّدت في خمسينيات القرن الماضي دون تحديث أو توسعة حقيقية. خرائط قديمة أكل عليها الدهر، وطرق متهالكة تعاني ضغطًا يوميًا متزايدًا، فيما عدم ضبط استيراد السيارات أغرق العاصمة بأعداد هائلة بلا تخطيط، ففاقم الأزمة أكثر. وما أُنجز من مجسرات أو شوارع جديدة لم يكن سوى حلول ترقيعية لا تلامس جوهر المشكلة.

هذه الأزمة لم تعد مجرد مشكلة خدمية، بل انعكست بشكل مباشر على الرياضة العراقية، لتضع الجماهير واللاعبين أمام تحديات يومية قبل أن يصلوا إلى الملاعب. فالرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، أصبحت علمًا يُدرَّس في الجامعات، وهذا العلم لا يمكن أن ينمو إلا في بيئة صحية متكاملة. ومن أهم ما يحتاجه الرياضي، سواء كان لاعبًا أو مشجعًا أو إعلاميًا أو ضمن الكوادر الفنية والإدارية، هو سهولة الوصول إلى المنشآت الرياضية.

لكن في العراق، يخرج الرياضي من منزله متجهًا إلى الملعب ليواجه زخمًا مروريًا تجاوز حدود العقل، فيبدأ باستنزاف طاقته قبل أن يصل إلى وجهته. لاعب يستعد لمباراة مهمة قد يضطر إلى مغادرة بيته قبل ثلاث أو أربع ساعات فقط ليضمن الوصول في الوقت المناسب. فكيف نطالبه بعد ذلك بأن يقدم الأداء المطلوب وهو قد خاض معركة مرهقة مع الطرق قبل أن يخوض المباراة؟

الأزمة لم تقتصر على اللاعبين، بل ضربت الحضور الجماهيري أيضًا. كثير من المشجعين باتوا يعزفون عن ارتياد الملاعب بسبب الازدحامات الخانقة التي تشهدها شوارع العاصمة، إذ أصبح الوصول إلى الملعب معضلة تستنزف الوقت والجهد، ما انعكس على نسب الحضور وأضعف صورة المباريات الجماهيرية.

أبرز ما يوضح حجم الأزمة المرورية التي ألقت بظلالها على الرياضة ما شُوهد مؤخرًا مع مدرب نادي الطلبة الإيراني منصوريان، الذي فضّل قيادة دراجة نارية بدل السيارة التي وفرتها له إدارة النادي، مبررًا ذلك بالمعاناة اليومية في شوارع بغداد ورغبته في اختصار الوقت والجهد. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فحتى أرنولد الأسترالي مدرب المنتخب العراقي لكرة القدم أبدى تذمره من الفوضى والازدحامات التي تعرقل الحركة اليومية وتؤثر على الاستعدادات الرياضية. ناهيكم عن بقية الكوادر الفنية، سواء المحترفة أو المحلية، التي تعاني الأمرّين للسبب ذاته، لتصبح الأزمة شاملة لكل أطراف الحركة الرياضية.

أغلب ملاعب كرة القدم الدولية، بما فيها الملاعب العراقية، تقع في مناطق مكتظة وفي قلب العواصم. لكن الفرق أن الدول الأخرى تضع خططًا دقيقة لإدارة النقل. هناك مدن مثل إسطنبول ولندن مزدحمة ومكتظة بالسيارات، لكنها وجدت حلولًا عملية مثل المترو والنقل الجماعي، والتخلص من السيارات القديمة، إضافة إلى مبادرات لتشجيع الناس على النقل النهري للوصول إلى أماكن العمل والملاعب وغيرها. أما في بغداد، فإن غياب التخطيط جعل موقع الملاعب يزيد من صعوبة حضور الجمهور إلى المباريات، ليضاف هذا التحدي إلى سلسلة المعاناة اليومية التي يعيشها الرياضيون والمشجعون.

ازدحامات بغداد بدأت تؤثر بشكل مباشر على سير الحركة الرياضية، فيما تبدو الحكومة عاجزة عن إيجاد حلول ناجعة تستثمر الوقت وتخفف من معاناة الناس في مختلف مفاصل الحياة، وليس في الرياضة وحدها. ومع تجاوز عدد السيارات في العراق عشرة ملايين سيارة، منها نحو أربعة ملايين في العاصمة وحدها، عدا السيارات الحكومية وغير المسجلة، فإن الرقم يعكس حجم الكارثة المرورية التي تخنق العاصمة يوميًا.

 

والسؤال الذي يُوجَّه إلى السادة المسؤولين: ماذا لو، لا سمح الله، تعرض لاعب أو مشجع داخل الملعب إلى إصابة تستوجب نقله العاجل إلى المستشفى؟ كيف يمكن التعامل مع هذه الحالة وسط طرق مزدحمة وفوضى مرورية خانقة وشعب ينتظر رحمة الله؟


مشاركة المقال :