من يقود الوعي الجماعي؟

محمد الكلابي

الوعي الجماعي لم يعد يُقاس بما يفهمه الناس، بل بما يستطيعون متابعته. السرعة صارت شرط الدخول إلى المجال العام. ما يتأخر يُهمَل، وما يحتاج وقتاً يُعامَل كعبء. بهذا التحول تغيّر معيار القيمة: الفكرة لا تُختبر، بل تُمرَّر. ليس لأن الحقيقة فقدت أهميتها، بل لأن الزمن اللازم لمواجهتها تقلّص إلى حدّ الاختفاء.

المعنى لم يعد يُبنى بالتراكم، بل يُلتقَط كأثر سريع. التلقي لم يعد فعلاً ذهنياً، بل استجابة قصيرة تنتهي لحظة حدوثها. ومع التكرار يتحول هذا النمط إلى تدريب غير معلن للعقل: لا إقامة مع فكرة واحدة، لا عودة إليها، لا ربط بينها وبين غيرها. ما يتآكل هنا ليس المعرفة، بل القدرة على الاستمرار في الفهم.

المؤثر وظيفة ثقافية تنشأ حين ينفصل إنتاج المعنى اليومي عن المراجعة النقدية. ما يبدو طبيعياً، ما يستحق الانتباه، ما يُعدّ نجاحاً أو فشلاً، ما يُغضِب أو يُضحِك؛ هذه العناصر تُعاد صياغتها عبر تدفق سريع ومنتظم. السيطرة لا تأتي من فرض رأي، بل من تحويل الاعتياد إلى قاعدة خفية.

الهيمنة الثقافية، كما صاغها أنطونيو غرامشي، تعمل حين يصبح الإطار غير مرئي. لكن هذا الإطار لم يعد يستقرّ. الاستقرار نفسه فقد وظيفته. السيطرة الآن تُمارَس عبر حركة لا تتوقف. لا حاجة لترسيخ تصور واحد؛ يكفي تعطيل القدرة على الترسّخ. الذهن الذي لا يستقر لا يبني موقفاً، ولا يُنهي فكرة إلى آخرها.

التحكم لم يعد في المحتوى وحده، بل في المدة التي تُمنَح للفكرة داخل العقل. حين تُضغط هذه المدة، يتقلّص العمق من تلقاء نفسه. الأسئلة لا تُمنَع، لكنها تُستنزَف قبل أن تتشكّل. التعقيد لا يُقمع، لكنه يُترَك خارج التداول. بهذه الطريقة يُصاغ امتثال معرفي هادئ، بلا أوامر ولا شعارات.

ضمن هذا الشرط يعمل المؤثرون كمُنظّمي وتيرة. النجاح لا يُقاس بسلامة الطرح، بل بانسياب وصوله. ما يبطئ الانسياب يُستبعَد. الشرح يضعف الانتشار، الربط يثقل التدفق، التمهّل يُخرِج صاحبه من التداول. حتى المحاولات الجادّة تُدفَع نحو الاختزال أو تُقصى بصمت.

الانفعال السريع يُغلق المسار. الشعور يحلّ محلّ الفهم. الاهتزاز يُسجَّل وعياً. هذا لا يُلغي العقل، لكنه يعفيه من العمل. الإحساس يسبق التحليل ويُنهيه. تتكوّن حركة دائمة بلا تراكم، ونشاط بلا نتيجة.

كثرة القضايا لا توسّع الأفق، بل تفتّته. كل موضوع يُستهلك قبل أن يتحول إلى موقف. لا مساحة للمساءلة أو المراجعة أو التناقض المنتج. ومع غياب الاستمرارية، يفقد الوعي قدرته الأخلاقية؛ لأن الموقف الأخلاقي يحتاج زمناً ليصمد، لا لحظة ليظهر.

ما يجري ليس تنافس أفكار داخل فضاء مفتوح، بل صراع على شروط التفكير نفسها. من يضبط الوتيرة يضبط النتائج. ليس لأن الناس بلا وعي، بل لأن الزمن الذي يحتاجه العقل لبناء معنى جرى استنزافه. ومع استنزاف الزمن يصبح المعنى خفيفاً، سريع التبدّد.

الاستقلال المعرفي لا يتحقق بادعاء عدم التأثر، ولا بعداء مباشر للمنصّات. التأثير يعمل كاعتياد يومي. الاستقلال يبدأ باستعادة زمن داخلي يسمح للفكرة أن تُختبَر، أن تُناقَض، أن تُعاد صياغتها، وأن تُربَط بسياق أوسع. هذا شرط معرفي، لا موقفاً أخلاقياً.

هذا العصر لا يكتفي بإنتاج مؤثرين، بل يعيد تشكيل الوعي ليعمل كمسار عابر، تستقرّ فيه الأفكار لحظة ثم تُستبدَل قبل أن تترك أثراً. المعنى لا يُرفَض صراحةً، لكنه يُستنزَف عبر تسريع تداوله حتى يفقد كثافته وقدرته على الإقامة. ما يتآكل هنا ليس المعلومة، بل العلاقة بها؛ علاقة تحتاج زمناً كي تتحول إلى موقف، واحتكاكاً كي تُنتج مسؤولية. ومع سحب هذا الزمن تُسحَب أدوات المقاومة من دون إعلان. لا يُقاد الوعي بالقوة، بل يُدار بالوتيرة. وحين تُضبط السرعة، يصبح الإنسان مساحةً تُملأ وتُفرَّغ، لا ذاتاً قادرة على التوقّف أو بناء معنى يصمد.

 


مشاركة المقال :