: مقارنة بين النموذج الصيني–الأميركي والنموذج الإيراني–الأميركي
محمد عبد الجبار الشبوط
أولًا: الإطار العام للتحليل
تشكل العلاقات العدائية الممتدة بين الدول الكبرى أحد أبرز تحديات النظام الدولي، غير أن التاريخالسياسي الحديث يكشف أن استمرار العداء لا يكون حتميًا حين تتغير موازين القوة وحسابات المصالح. وتُعدّ تجربة التحول في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين نموذجًا دالًا على قدرة العقلالاستراتيجي على إعادة توجيه الصراع، مقابل نموذج العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران الذي ظلأسير القطيعة الأيديولوجية الممتدة.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل أسباب نجاح النموذج الأول في الانتقال من العداء إلى التفاهم المرحلي،وأسباب تعثر النموذج الثاني، مع التركيز على موقع العقل والمصلحة في صناعة القرار السياسي.
ثانيًا: النموذج الصيني–الأميركي — إدارة العداء لا إنكاره
منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، سادت قطيعة سياسية وعداء أيديولوجي حاد معالولايات المتحدة، بلغ ذروته في الحرب الكورية ودعم واشنطن لتايوان. إلا أن هذا العداء، على شدته، لميتحول إلى عنصر تأسيسي جامد في هوية الدولة الصينية، بل ظل مرتبطًا بمرحلة تاريخية قابلةللمراجعة.
مع نهاية الستينيات، أدركت القيادتان في بكين وواشنطن أن التحولات في ميزان القوى الدولي، ولا سيماتصاعد التوتر الصيني–السوفيتي، تفرض إعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية. وجاءت زيارة ريتشاردنيكسون إلى بكين عام 1972 ولقاؤه مع ماو تسي تونغ لتُجسّد انتقالًا واعيًا من منطق العداء العقائديإلى منطق إدارة المصالح.
لم يتخلَّ أي من الطرفين عن أيديولوجيته أو نظامه السياسي، لكن جرى الفصل بوضوح بين العقيدةبوصفها إطارًا فكريًا داخليًا، والسياسة الخارجية بوصفها مجالًا للمناورة والتوازن. وبهذا، نشأ نمط منالعلاقات يمكن وصفه بـ«الصلح البارد»، حيث أُدير الخلاف ضمن قواعد عقلانية، وأُعيد توظيف التناقضبدل الاصطدام به.
ثالثًا: النموذج الإيراني–الأميركي — العداء بوصفه هوية
في المقابل، تشكّلت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، منذ عام 1979، ضمن مسار مختلف جذريًا،إذ لم يُختزل العداء في كونه أداة سياسية قابلة للتعديل، بل جرى دمجه في البنية الأيديولوجية للنظامالسياسي الجديد.
تحوّل الصراع مع واشنطن إلى عنصر من عناصر الشرعية الثورية، وأصبح الخطاب المعادي جزءًا منتعريف الذات السياسية، لا مجرد انعكاس لخلاف مصالح. هذا الدمج بين العقيدة والسياسة الخارجيةجعل أي محاولة للتقارب أو التهدئة تُقرأ داخليًا بوصفها تهديدًا للهوية، لا خيارًا استراتيجيًا.
وعلى عكس التجربة الصينية، لم تُنتج الدولة الإيرانية فصلًا وظيفيًا بين الثابت العقائدي والمتغيرالسياسي، بل جرى التعامل مع السياسة الخارجية بوصفها امتدادًا مباشرًا للصراع الأيديولوجي، ما قادإلى حالة من الجمود الاستراتيجي رغم تغير السياقات الإقليمية والدولية.
رابعًا: المقارنة الاستراتيجية بين النموذجين
يظهر الفرق الجوهري بين التجربتين في ثلاث نقاط مركزية:
أولًا، في موقع العقل داخل عملية اتخاذ القرار، حيث تعاملت الصين مع السياسة الخارجية كحقلحسابي يخضع لتوازن القوة والمصلحة، بينما خضعت السياسة الإيرانية لمنطق تعبوي رمزي.
ثانيًا، في طبيعة العداء، إذ ظل العداء الصيني–الأميركي وظيفيًا وقابلًا لإعادة التوجيه، بينما أصبح العداءالإيراني–الأميركي وجوديًا ومُعرِّفًا للذات.
ثالثًا، في القدرة على إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث امتلكت الصين مرونة سمحت لها بالاندماجالتدريجي في النظام الدولي، فيما بقيت إيران في حالة اشتباك دائم استنزف مواردها وأضعف قدرتهاعلى المناورة.
خامسًا: دلالات استراتيجية على مستوى النظام الدولي
تؤكد هذه المقارنة أن السياسة الدولية لا تُدار بمنطق النقاء الأيديولوجي، بل بمنطق الاستمرارية والبقاءوتعظيم النفوذ. فالعقيدة، حين تتحول إلى سقف مغلق، تفقد قدرتها على حماية الدولة، بينما يصبحالعقل الاستراتيجي أداة لضمان المصالح دون التفريط بالهوية.
كما تُظهر التجربة الصينية–الأميركية أن إدارة الصراع أكثر فاعلية من السعي إلى حسمه، وأن تحويلالعداء إلى تنافس منضبط يمنح الدولة مساحة أوسع للتأثير، مقارنة بالصراع الصفري المفتوح.
سادسًا: خلاصة استراتيجية
تكشف دراسة النموذجين أن انتصار العقل على الشعارات لا يعني التخلي عن القيم أو العقائد، بلإخضاعها لميزان الدولة ومصالحها العليا. فحين تُدار السياسة بوصفها فن الممكن، تتحول الخصوماتإلى أدوات توازن، وحين تُدار بوصفها ساحة إثبات أيديولوجي، تتحول إلى عبء تاريخي طويل الأمد.
وعليه، فإن التجربة الصينية–الأميركية تقدم درسًا استراتيجيًا مفاده أن الدول التي تفصل بين هويتهاالفكرية وخياراتها السياسية تمتلك قدرة أعلى على التكيف والبقاء، بينما تبقى الدول الأسيرة للشعاراتحبيسة صراعات تُستهلك فيها الطاقة دون تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة
