لندن تحتفي بالنجف / نخبة من أبنائها

المستقل /

المركز الثقافي العراقي – لندن

تبقى بهيّاً رؤاكَ المجدُ والشرفُ **** وما تزالُ عليًّا ايّها النجفُ

يا ايّها النجفُ المحفورُ في دمنا **** هلّا أضأتَ زماناً ملؤهُ وجَفُ

بهذه القصيدة الرائعة للشاعر الدكتور مهند مصطفى جمال الدين، احتفت لندن بمدينة النجف ،  وبرعاية السفارة العراقية في العاصمة البريطانية وعلى قاعة المركز الثقافي العراقي كان مسرح الاحتفاء  وبحضور معالي وزير الثقافة الدكتور احمد فكاك البدراني وممثل المرجعية العليا سماحة السيد مرتضى الكشميري والقائم بأعمال السفارة العراقية الدكتور احمد الجبوري .

افتتح الدكتور عبد الحميد الصائح مدير المركز الثقافي العراقي الحفل بكلمة قيمة  تحدث فيها عن برنامج المركز الثقافي في إبراز دور المدن العراقية ، للاحتفاء بها في ” برنامج ايام المدن العراقية” ثم قدم ضيوف الحفل الذين جاؤوا من النجف السيد مهند مصطفى جمال الدين ، والدكتور عقيل الخاقاني والأستاذ علاء الخطيب.

افتتح الدكتور جمال الدين الندوة بكلمة عن دور مدينة النجف واهميتها العلمية والادبية، وأنها مدينة للجميع ، وقرأ بعدها قصيدتان مخصصتان للنجف، وأخرى لـ  لندن ، المدينة  التي استضافة الحدث .

بعدها قدم الدكتور عقيل الخاقاني عميد كلية الاداب في جامعة الكوفة شرحاً وافياً لمدينة النجف تاريخياً واجتماعياً وثقافياً ،، وكذلك تحدث الدكتور الخاقاني  عن دور النجف الديني والمدني ، فقد قال :  يعتقد البعض ان النجف مدينة دينية مغلقة، لكن الحقيقة ان النجف مدينة منفتحة ، على العالم ، وهي مدنية بطبعها نتيجة تعدديتها الثقافية، فهي تحتضن العربي والفارسي والأفغاني. والتركي  والهندي والباكستاني ، وغيرهم وكلهم ينصهرون في ثقافة المدينة ، وأردف القول ان النجف تنفرد في انتمائها للعلم والمعرفة ، فتجد ذلك واضحاً في الألقاب ، فقد سميت كثير من العوائل بأسماء الكتب  وتخلوا عن. ألقابهم. العشائرية ، امثال آل كاشف الغطاء  وآل الجواهري وال بحر العلوم ، وغيرهم كما سموا بناتهم على اسماء الكتب ، مثل شرائع ومسالك ، وغيرها ،

ثم تطرق الدكتور الخاقاني إلى تقسيمات النجف الاجتماعية ، وتطرق إلى المجالس الحسينية ودورها الاجتماعي . كما عرض الدكتور الخاقاني فيلماً وثائقياً ، يخص المناسبة عن النجف، وشرحاً وافياً عن مناطق النجف الاربعة .

ثم تحدث االاعلامي والباحث الاستاذ علاء الخطيب عن الجانب السياسي والثقافي والفكري  في النجف ، وقال :

قد تختلف مدينة النجف عن غيرها من مدن العراق كونها تحمل ميزاتٍ مختلفة, فهي مجموعة مدنٍ فيمدينة واحدة ,وهي مدينة الصراع والتصادم  الفكري والثقافي , كنتيجة للتنوع الإثني والتعدد الثقافيفهي أممية الثقافة, عربية الطباع والهوى والروح, ففحول الشعراء العرب هم منْ عاشوا في أجواء هذهالمدينة وأبدعوا,ولعل نزار قباني كان محقاً حينما قال عن  هذه المدينة (تمطر  سماء النجف خمسمائةشاعر في الدقيقة في حين لا تمطر سماء جنيف سوى  ساعات اوميغا ونيفادا  وحليب نيدو سريعالذوبان), فعلى الرغم من أجواء الرومانسية والحياة  التي تحيط بالمدينة لكثرة شعرائها إلآ انها  تعبقبرائحة الموت حيث وادي السلام  المقبرة الأكبر في العالم وكثرة المشتغلين بالموتى أو الذين يعتاشونعليهم.

يقول الصافي النجفي ساخراً

إن الغري بلدة تليق أن ***  يقطنها الشيوخ  والعجائز

فصادرات بلدتي مشائخ*** و واردات بلـدتي جنائز

فلم يكن الصافي النجفي يسخر من مدينته إلا لتناقضاتها , هذا التناقض الذي  يؤدي الى الصراع ولكنهصراع منتج وتناقض مبدع, وهكذا كانت على الدوام تحمل النقيضين في آن واحد.

وذكر الخطيب  الحب في النجف كيف كان يعيش العشاق مستذكراً قصيدة الشاعر كاظم الخطيب ” عشگ النجف” الذي يقول فيها :

الدغش هين ….

عدنه هينكلشي هين

حبيبة بس العشك ورطة !!

بالنجف عدنه العشك منشور سري

وعدنه كل الناس شرطة

وردنه مرة نلتقي

ونطبع على الشفة الغزاها جحيلنيران السوالف

كتبت ورقة وإجت ورقة وبيها جلمة ما يخالف .

إجه الموعد …. والتقينههي ماخذها الرجيف وآني خايف

نخاف من خيالنه يوصل حجي

شكيت إلها وهي كامت تشتكي

أمس أبوها يكلها يبنيه تره شعري وكف

وصاح أخوها ضاع بالدنيا الشرف

وهم ما يدرون بالحب هالوكت أعظم شرف

آخ يا عشك النجف

ومن صور التناقض في هذه المدينة ما تطرق اليه الخطيب بالقول

في العام  1503م بعث إسماعيل الصفوي برسالة الى النجف يدعو علمائها الى الالتحاق به  وعضد دولتهفسارع الشيخ علي الكركي إليه, فيما كفره الشيخ أحمد الإحسائي لركونه الى السلاطين  وكان صراعاًعاصفاً وكبيراً , واعْتُبِر الكركي بعد أن قُلِدَ منصب النيابة العامة ( نائب الإمام)   مغتصباً لسلطة الإمامالمعصوم وصلاحياته,لأن الإحسائي ومدرسته الإخبارية تعتبر أن العمل بالسياسة رجس من عملالشيطان يجب إجتنابه.

وليس على سبيل الصُدفة أن يخرج من هذه المدينة سكرتير الحزب الشيوعي العراقي سلام عادل ( حسين الرضوي) واحد أهم منظري الماركسية ( حسين مروة)  و على الجانب الآخر يقابلهم مؤسسالحركة الإسلامية في العراق الشهيد  محمد باقرالصدر, فهذه المدينة الحاضنة للحوزة العلمية والتيتحتوي على أكثر من عشرة آلآف طالب للعلم الديني, كانت بنفس الوقت تحتضن الفكر الماركسي وتعتبرالنجف من المدن التي أحتضنت الحزب الشيوعي العراقي.

وكنتيجة للصراع الفكري والثقافي في هذه المدينة نشاهد صوراً من التمرد لدى مبدعيها ولربما يصلالى حد التطرف, فشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري أكبر المتمردين على تقاليد مدينته يرميعمامته في الكناسة  التي تعتبر في عرف أجواء النجف  شيئاً مقدساً.

وليس بعيداً عن الجواهري  نرى السيد محمد صالح بحر العلوم في أربعينيات القرن المنصرم الذيينتمي الى عائلة علمية عريقة جلها من المعممين ورجال الدين,  يتمرد على  واقعه ويوجه نقداً لاذعاًحيث يقول في إحدى قصائده :

ليتني أسطيع بعث الوعي في بعض الجماجم

لأريح البشر المخدوع من شر البهائم

وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم

من مآسي تقتل الحق وتبكي

أين حقي؟؟

ولننتقل الى شحصية نجفية أخرى عاشت في بدايات القرن العشرين الى منتصفه وهي حسين قسامالنجفي  ( 1898 – 1960) كان يعمل متولي لمقام هودٍ وصالح في وسط أكبر غابة للأموات في العالم كمايصفها الجواهري إلا أن هذا الرجل يحمل في داخل شخصيته نقيضين فهو  شخصية ساخرة وسيرياليةعجيبة, وشخصية الإنسان البسيط الذي يعمل بمقامات الأولياء, فقد كان صاحبنا شاعر له داواوين سمىالأول قيطان الكلام والثاني بسنجاف الكلام ومن يطلع على هذين الديوانين يرى حجم التناقض اليتحمله هذه الشخصية,والإنسان ابن بيئته كما هو معروف

كانت قصائده المتمردة  على واقعه تحمل اكثر من دلالة ومنها على سبيل المثال:

لو وقع بيدي أصعدت سابع سمه

ابلا درج واركب بعيرة محزمة

وأقلب البرغوث والبرغش فلك

خاطر أشتل فوكهن شجرة جمه ( الكمأ: وهو نوع من  الفطريات)

ومن التناقضات التي يلحظها المتابع في هذه المدينة هي ان منها تخرج أعظم خطباء المنبر الحسينيكالشيخ محمد علي اليعقوبي والشيخ كاظم نوح والشيخ الوائلي رحمهما الله, ومنها أشهر مطربينعراقيين هما ياس خضر وحميد منصور.

فالنجف مدينة المتناقضات حقاً, ومازالت النجف تعيش تناقضاتها الى يومنا هذا , وإن تغيرت الصورةبعض الشئ .


مشاركة المقال :