الهدوء أولًا

 

مصطفى طه الياسري 

في كرة القدم لا شيء يحدث صدفة خصوصا عندما تتكاثر الأصوات فجأة وتعلو نبرة الانتقاد في لحظة واحدة وكأن صافرة خفية أعلنت بدء معركة خارج المستطيل الأخضر هذا المشهد يتكرر كلما اقترب منتخبنا من استحقاق مصيري تصفيات ملحق، أو بطولة قارية فجأةتظهر وجوه تدريبية سابقة عبر الشاشات تتحدث بلهجة حادة وتفتح ملفات قديمة وتطرح تساؤلات كبيرة في وقت ضيق

السؤال الذي يفرض نفسه لماذا هذا التوقيت تحديدًا

التوقيت الحساس في عالم المنتخبات ليس مجرد ظرف زمني إنما مرحلة نفسية دقيقة اللاعب يكون في أعلى درجات التركيز والجهاز الفني يعمل على تثبيت الاستقرار والجمهور يعيش حالة ترقب أي تصريح ناري في هذه اللحظة قد يتحول إلى كرة ثلج تبدأ بكلمة وتنتهي بانقسام في الشارع الرياضي

النقد حق مشروع ولا أحد فوق المساءلة غير أن الفرق واضح بين نقد فني يطرح بهدف التقويم وبين هجوم إعلامي يفتح أبواب التشكيك قبل صافرة البداية النقد البنّاء يمنح حلولًا ويطرح بدائل ويضع مصلحة المنتخب فوق أي اعتبار أما حين يتحول الطرح إلى تصفية حسابات قديمة أو استعراض خبرة أمام الكاميرات فإن الرسالة تتغير ويضيع الهدف

في تجارب دولية ناجحة يدار هذا الملف بحذر شديد في اليابان مثلًا يتم احتواء الخلافات داخل الغرف المغلقة، ويمنح المنتخب هدوءًا كاملًا قبل البطولات الاستقرار الإعلامي هناك جزء من منظومة النجاح حيث ينظر إلى المنتخب بوصفه مشروعًا وطنيا لا ساحة صراع

أما في واقعنا فكثيرًا ما تُفتح الجبهات في أكثر اللحظات حساسية تصريحات متزامنة تحليلات متشائمة تشكيك بالقائمة أو بالمدرب أو بطريقة اللعب اللاعب الشاب الذي يستعد لأهم مباراة في مسيرته يجد نفسه وسط ضجيج لا علاقة له بخطته داخل الملعب التركيز يتشوش والثقة تهتز والجمهور ينقسم بين مؤيد ومعارض

هل هناك من يستفيد من هذا المشهد

كرة القدم اليوم شبكة مصالح واسعة حضور إعلامي عقود طموحات شخصية رغبة في العودة إلى الواجهة بعض الأصوات قد ترى في اللحظة فرصة لإثبات صحة رأي قديم أو للضغط باتجاه تغيير قادم غير أن الثابت في كل مرة أن الخاسر الأول هو المنتخب ذاته وصورة الاستقرار التي يحتاجها

التوقيت الحساس يحتاج إلى وعي جماعي

يحتاج إلى إدراك أن الكلمة في هذه المرحلة ليست مجرد رأي عابر إنما عنصر مؤثر في معادلة نفسية معقدة اللاعب حين يدخل أرض الملعب يحمل على كتفيه أحلام جمهور كامل من حق الجمهور أن ينتقد بعد المباراة وأن يحاسب الأداء وأن يطالب بالأفضل غير أن قبل المواجهة تكون الأولوية للدعم ولمنح الثقة ولتقوية الصفوف

المنتخب ليس ملك مدرب سابق ولا مسؤول ولا محلل هو مساحة مشتركة بين وطن وجماهيره وفي لحظات الحسم يتحدد موقع كل طرف إما سندًا يرفع المعنويات أو عبئًا يزيد الضغط

الفرق بين الموقفين كلمة

والفرق بين النجاح والتعثر قد يكون فهم معنى التوقيت الحساس

في توقيتٍ تتكاثر فيه التحديات حول المنتخب خرج بيتروفيتش وخيسوس كاساس إلى الواجهة الإعلامية وكأن الساعة اختارت لحظة حساسة لا تحتمل مزيدًا من الضجيج فظهور المدربين السابقين في مثل هذه المراحل يفتح دفاتر الماضي في وقت يفترض أن تغلق فيه الصفحات ويُمنح الحاضر فرصة التركيز وبين من يراه حقًا مشروعًا للدفاع عن التجربة وتوضيح الملابسات ومن يقرأه كمحاولة لإعادة التموضع أو تصفية حسابات غير مكتملة تبقى الحقيقة أن المنتخب هو المتأثر الأول بأي جدل جانبي لأن الجماهير المنقسمة والآراء المتصارعة تصنع ضغطًا إضافيًا على لاعبين يحتاجون إلى الهدوء أكثر من أي شيء آخر ولذلك فإن الحكمة تقتضي أن يتحول النقاش من استدعاء الأسماء إلى حماية الشعار ومن استرجاع الأخطاء إلى صناعة أملٍ جديد فالمعارك الإعلامية لا تسجل أهدافًا لكن الاستقرار وحده يفعل


مشاركة المقال :