فيلم The Hater: قراءة تأملية في صراع الوعي

د. عادل جعفر – استشاري الطب النفسي

مؤخرًا، شاهدت الفيلم البولندي The Hater، إنتاج عام 2020، والمعروض على نتفليكس. لم أره مجرد قصة عن شاب فاشل أو مختل نفسيًا، بل تعاملت معه كنص سينمائي ذكي يسلط الضوء على قضية شديدة الخطورة في عالمنا اليوم: الحرب على الإدراك. تلك المعركة الخفية التي تدور حول كيف نرى الواقع ونفهمه، خاصة في ظل الفضاء الرقمي الذي بات يشكل وعينا الجماعي.

القصة تنطلق من شاب يشعر بالرفض والدونية. لا يلجأ للعنف الجسدي، بل يجد نفسه في شركة مختصة بإدارة الحملات الرقمية. ومن هناك تبدأ رحلته في اكتشاف وجه جديد للسيطرة: لم تعد المسألة تحتاج إلى قمع أو سلطة صارمة، بل إلى التلاعب بالإدراك. السيطرة هنا ليست بالإقناع العقلي أو الجدل المنطقي، بل بالتكرار، وبصناعة وهم أن الرأي المطروح هو ما يؤمن به الجميع.

الفيلم يعرض هذه الآلية النفسية لكن على نطاق واسع ومفتوح. نحن لم نعد في مختبر أو غرفة مغلقة، بل على شبكات تواصل اجتماعي يشارك فيها آلاف الأشخاص، يكررون نفس الخطاب ويعيدون إنتاج نفس الفكرة. ولم نعد نتحدث عن مواضيع عابرة، بل عن قضايا سياسية وأخلاقية معقدة وعميقة.

ومع تكرار الرسائل والأفكار، يتغير السؤال داخلنا: من “هل هذه الفكرة صحيحة؟” “لماذا الجميع يصدقها وأنا فقط أشكك فيها؟”. وهنا تحديدًا تنجح الحرب الإدراكية… دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

ما يقدّمه الفيلم ليس جديدًا تمامًا من وجهة نظر علم النفس. في خمسينيات القرن الماضي، أجرى الباحث الاجتماعي سولومون آش تجربة شهيرة عن “الامتثال الاجتماعي”. وضع مجموعة من الأشخاص في موقف يتطلب منهم إعطاء إجابات واضحة، لكن حين كانت المجموعة – المتواطئة معه – تعطي إجابات خاطئة، فإن كثيرين من المشاركين الحقيقيين كانوا يغيرون إجاباتهم الصحيحة لمجرد عدم الظهور بمظهر المختلف.

النتيجة كانت صادمة: الإنسان لا يتنازل عن رأيه دائمًا بسبب الجهل، بل أحيانًا خوفًا من العزلة.

تلك التجربة التي جرت داخل غرفة صغيرة، نراها اليوم على نطاق اجتماعي واسع. منصات التواصل تحولت إلى مساحات تجريبية مفتوحة. يُصنع فيها “الرأي العام”، وتُضخّم فيها أصوات محددة، ويُعاد تشكيل القناعات. لا أحد يجبرك على تبني رأي معين، لكنك تشعر أن الاختلاف وحدك يعني العزلة أو الهجوم أو التهميش.

ولو أسقطنا هذه الفكرة على واقعنا العراقي، نجد أصداء الفيلم واضحة جدًا. هناك حملات مفاجئة على مواقع التواصل، ووسوم وهجمات رقمية تظهر فجأة وتتصدّر دون سياق حقيقي. حسابات متعددة تردد نفس العبارات، تصنع وهمًا بأن هذا هو رأي الأغلبية. أما الشخصيات العامة، فلا تُستهدف من خلال نقاش أفكارها، بل عبر التشكيك في نواياها أو إطلاق تهم جاهزة تُكرّر حتى تستقر في الوعي العام.

كثيرون يلتزمون الصمت أو يسايرون التيار، ليس لأنهم مقتنعون، بل لأنهم يريدون تجنب الاستبعاد أو الإقصاء.

باختصار، هذا الفيلم ليس عن بولندا، ولا عن شخص واحد. بل عن عالم كامل دخل مرحلة جديدة من الصراع: صراع على الإدراك ذاته. وهو يبعث رسالة تحذير واضحة: حين نفقد قدرتنا على التفكير النقدي، وننجرّ وراء “الزخم الرقمي”، نصبح بهدوء جزءًا من معركة لا نراها… لكننا نعيش آثارها كل يوم.

 

 


مشاركة المقال :