محمد الكلابي
العقل العراقي اليوم ليس ضعيفاً، بل منهك. كثرة ما يراه ويسمعه ويعيشه جعلته يختزل الأسئلة كي ينجو.
العراقي يعيش في بيئة لا تترك مجالاً كثيراً للهدوء. صباحه يبدأ بحساب الخطوات، وتنظيم ما يستطيع تنظيمه، ومحاولة فهم عالم يتبدّل أسرع من قدرة الناس على اللحاق به. وهذا وحده يجعل حياته اليومية أقرب إلى سؤال فلسفي مستمر، حتى لو لم يسمّه بهذه الطريقة. فالتفكير هنا ليس هواية… بل غريزة دفاعية.
لفترة طويلة، كان يُنظر إلى الفلسفة في العراق كشيء بعيد عن الواقع، كحديث نخبوي لا علاقة له بالناس. لكن الحقيقة معكوسة تماماً: البلد الذي يمر بكل هذا الضغط هو أكثر البلدان حاجة إلى الفلسفة. ليس باعتبارها نظريات، بل باعتبارها طريقة لإعادة ترتيب الداخل حين لا يمكن ترتيب الخارج. في العراق، الفلسفة ليست رفاهية، بل محاولة لحماية العقل من الانزلاق مع الفوضى.
العقل العراقي اليوم ليس ضعيفاً، بل منهك. كثرة ما يراه ويسمعه ويعيشه جعلته يختزل الأسئلة كي ينجو. يتساءل لكنه لا يجاهر، يرى لكنه لا يعلّق، يعرف أكثر مما يقول. هذا الصمت لم يأت من نقص في الوعي، بل من معرفة طويلة بأن السؤال قد يُفهم خطأ، أو يُستغل، أو يُحمّل أصحابه ما لا يحتملونه. لذلك صار الكثيرون يعتمدون آراء جاهزة، لا لأنهم مقتنعون بها، بل لأنهم متعبون من البحث وسط هذا الضجيج.
وهنا تظهر أهمية الفلسفة
أنها تساعد الإنسان على التمييز بين ما يفكر به فعلاً وما يكرره دون أن ينتبه. بين رأيه وبين رأي الجماعة التي يختبئ خلفها. الفلسفة ليست خروجاً على المجتمع، بل خروجاً على “العادة” التي تُغلق على العقل مساحته. وهي في العراق تحديداً ليست مواجهة للدين، بل مواجهة للتلقين الذي يستخدم الدين بلا وعي. كثيرون يخلطون بين الإيمان والضجيج الديني؛ الفلسفة تفصل بينهما بوضوح لا يحتاج إلى صدام.
المشكلة أن المجتمع يخاف من الفلسفة أكثر مما يخاف من الجهل. ليس لأنها صعبة، بل لأنها تطلب من الإنسان مسؤولية: أن يفكر بنفسه. أن يقول “لا” حين يتوقع الجميع أن يقول “نعم”. أن يرفض التفسيرات الجاهزة حتى لو كانت مريحة. الفلسفة لا تهدد العقائد ولا التقاليد، بل تهدد الكسَل العقلي الذي يسمح للخطأ أن يمرّ دون مقاومة.
ورغم كل هذا الضغط، هناك شيء لافت يحدث في العراق: نشوء وعي جديد، هادئ لكنه ثابت. وعي لا يصدّق كل شيء، ولا يندفع وراء أي شيء، ولا يسمح للعاطفة أن تغطي على الحقيقة. وعي يتشكّل من التجربة، من الاحتراق المتكرر، ومن المراجعات اليومية التي يقوم بها الفرد دون أن يحدّث بها أحداً. هذا الوعي هو “الفلسفة العراقية” الحقيقية: فلسفة لا تُكتب في الكتب بل تُختبر في الحياة.
ولهذا يمكن القول إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الكلام، بل إلى مزيد من التفكير. لا يحتاج إلى من يلقي عليه الشعارات، بل إلى من يذكّره بأن العقل ليس ترفاً، وأن السؤال ليس تمرداً، وأن الحذر من الوهم أهم من الحماس له. استعادة العراق تبدأ من استعادة العقل، من عودة الإنسان إلى صوته الداخلي قبل أن يتكلم الجميع عنه وباسمه.
حين يفكر العراقي دون خوف، يضع أول حجر في بناء وطن مختلف. وحين ينسحب من القطيع ليعود إلى ذاته، يبدأ في رؤية الأشياء كما هي، لا كما تُعرض عليه. الفلسفة هنا ليست درساً، ولا خطاباً، ولا حركة ثقافية… بل قدرة بسيطة وواضحة: أن تفهم ما يحدث لك، وأن لا تسمح لأي أحد أن يفكر بدلاً عنك.
هذه هي البذرة التي تبقى حيّة مهما تغيّر كل شيء.
ومن هذه البذرة، يبدأ العراق أخيراً في استعادة عقله.
