حاوره : فاروق الرماحي
ليست الكاميرا عند فلاح زكي مجرد أداة، بل نافذة تطل على الذاكرة، على الأحلام المؤجلة، وعلى وطن يحاول استعادة صورته من بين الركام .
هو مخرج وكاتب سيناريو يرى في الفن مساحة للخلاص، وفي السينما وسيلة للمقاومة الناعمة ضد النسيان والتشويه .
في هذه الوقفة السريعة، نقترب من ملامح ذائقته الفنية ورؤيته للحياة، فنقرأ العراق كما يراه بعين فنان يحلم… ويصرّ أن يحلم .
في هذا الحوار، نستعيد معه محطات من مسيرته، ونغوص في تفاصيل أعماله التي شكّلت ذاكرة العراقيين، من وينك يا جسر إلى صفقة ساخنة، ومن السفير ناظم الغزالي ,الى المسافر إلى الملاذ آمن. هو ليس مجرد مخرج… بل شاهد على الوطن، من خلف العدسة.
كيف بدأت رحلتك مع الإخراج التلفزيوني؟
بدأت مبكرًا، في زمن كان الحلم فيه أقرب إلى التحدي. درست في معهد الفنون الجميلة ثم أكملت دراستي في أكاديمية الفنون. لم يكن الطريق سهلاً، لكن شغفي بالصورة وقصص الناس دفعني لأدخل التلفزيون.
أول عمل لي كان كمساعد مخرج، ثم بدأت أُخرج أعمالًا درامية قصيرة، إلى أن جاءت فرصة العمل في وينك يا جسر، وكان هذا العمل بمثابة شهادة ميلاد فنية لي .
يعد “وينك يا جسر” من أبرز أعمالك، ما الذي ميّزه؟
وينك يا جسر لم يكن مجرد قصة بل كان صرخة. كتب النص الراحل عادل كاظم، وكانت الشخصية الرئيسية تحمل رمزية عالية للوطن الممزق. حاولت في الإخراج أن أُوازن بين الحنين والوجع، بين ما مضى وما لم يأتِ بعد. العمل حتى اليوم يترك أثره، وأعتقد أن سرّه في صدقه .
العمل الكوميدي “السينما” كان مختلفًا عن باقي تجاربك، كيف تصفه؟
صحيح، السينما كانت سهرة تلفزيونية ذات طابع كوميدي، حاولت من خلالها تقديم رؤية ساخرة عن علاقة الناس بالسينما، وما تمثّله من أحلام ورغم بساطتها، حملت الكثير من الرموز، ولامست ذاكرة جيل كامل ارتبط بالشاشة الكبيرة كوسيلة للهروب من الواقع أو مواجهته بطريقة مختلفة. الكوميديا عندي ليست ترفًا، بل أداة ذكية للنقد .
حدثنا عن “السفير ناظم الغزالي”؟
هذا العمل كان تحديًا خاصًا. ناظم الغزالي ليس مجرد فنان، بل هو وجدان. في هذا العمل حاولت أن أُقدّم شخصيته من الداخل، من تناقضاته وإنسانيته، لا كرمز فقط. كان النص ذكيًا والإنتاج شاقًا، لكننا خرجنا بعمل أظن أنه يليق بتاريخه .
من “المسافر” إلى “الملاذ آمن”، كيف تغيّرت رؤيتك للإخراج؟
في “المسافر” كنت أبحث عن الوطن في حقائب الراحلين. في “الملاذ آمن” كنت أبحث عنه في وجوه الخائفين. التجربة تراكم، والوجع أيضًا. اليوم أنا أكثر وعيًا بالصورة، وأكثر حذرًا في التقاط اللحظة. لم أعد ألاحق الجمال فقط، بل المعنى .

ماذا عن “صفقة ساخنة”؟
عمل يحاكي واقعًا نعيشه يوميًا، لكنه مغلّف بلغة بوليسية سياسية. هو صادم ومكشوف، وأعتقد أن الجمهور بحاجة إلى هذا النوع من الدراما التي لا تجامل .
وما هو آخر مشروع تعمل عليه حاليًا؟
أنهيت مؤخرًا من كتابة قصة وسيناريو عمل جديد بعنوان SugarLand، وهو مشروع مختلف كليًا من حيث الطرح والمعالجة. نحن بصدد المباشرة بتصوير التريلر خلال الأيام المقبلة، تمهيدًا لدخوله مرحلة الإنتاج. أعتبره تحديًا جديدًا وأتمنى أن يرى النور قريبًا .
هل ترى أن الدراما العراقية اليوم تسير في الاتجاه الصحيح؟
لا أستطيع القول ذلك تمامًا. هناك محاولات، نعم، لكن ما زلنا نُعاني من ضعف الإنتاج، والتدخلات غير الفنية. لدينا طاقات هائلة، لكننا بحاجة إلى بيئة تحتضن الفن لا تقتله .
ما الحلم الذي لم تحققه بعد؟
أن أُخرج عملاً عن بغداد… لا كمدينة، بل ككائن حيّ. بغداد الحقيقية، التي لا تراها الكاميرا غالبًا، والتي تسكن فينا رغم كل شيء .
في ختام هذا اللقاء، نتوجه بالشكر للمخرج والفنان العراقي الأميركي فلاح زكي على سعة صدره وعمق حديثه، ونتمنى له دوام التألق في مشاريعه القادمة، وعلى رأسها عمله المنتظر SugarLand.
بدوره، عبّر زكي عن امتنانه لـ*“جريدة المستقل”*، متمنيًا لها المزيد من النجاح والتألق في مشوارها الإعلامي .
