الورقة المختومة أيام عمان الجزء6

د. احمد مشتت

بدأ ولاء جديا بالبحث عن وسيلة لمغادرة الاردن

كان قد مضى على وجوده هنا اكثر من عمان.

تعبت يداه من العزف على الگيتار في حفلات الاعراس وتعب تفكيره بالخروج الى العالم الاوسع ورغم انهاحد الاضلاع المهمة في مجموعتنا في بيت الزرقاء لكنه كان يشعر في كل يوم ان الاوان قد آن ليخطو فيارض الخطر ويواجه العالم المتربص بامثاله من العراقيين الذين تركوا الوطن .

كانت ذاكرته مازالت معذبة بمشوار مقبرة محمد السكران. ورغم مضي الاعوام لكنه كان يرى ذاك الفتىالغض بصحبة امه الملتاعة بحثا عن اخيه ومازالت دموعها الصامتة تبلل كفيه وهو يعزف الحانا سعيدةلجمهور غريب.

كان لديه اصدقاء في جمهورية سلوفينيا الجمهورية الفتية التي انفصلت عن يوغسلافيا في ٢٥ حزيران منالعام ١٩٩١، وعدوه ان يرسلوا له دعوة لزيارتهم، كان هذا الخط غير معروف جدا وسالك وسهل لايتضمنتزوير اية جوازات او اوراق.

بالدعوة المرسلة تدخل بطريقة شرعية الى الجمهورية التي تقع في اوربا الوسطى وتطل على البحر الابيضالمتوسط ومن هناك لها الف حل.

امي ادعيلي

خاطب ولاء امي وهو يستلم الدعوة الموعودة.

واحتفلنا جميعا بهذا الخبر اذ لم نتعشى فول وحمص وفلافل مثل كل ليلة حسب اللوائح الصارمة التيأرسيتها انا بمجرد وصولي لاغراض التوفير  والتقنين في المصاريف والتي كانت مدعاة لاحتجاج يوميوصارخ من قبل نورس وزيدون. تعشينا احتفالا كباب وشقف ( تكة) وكنافة من محل الكنافة الشهير فيشارع السعادة في مدينة الزرقاء.

أصر زيدون على مماحكة ولاء:

مو تنسى الدعوة من تسافر! تسويهها طبعا انت ولايهمك.

زيدون بطل غيرة، انت ضايج لان راح تعجز هنا واني منطلق لاوربا

وشيطلعك من سلوفينيا بعدين يا شاطر؟

كان زيدون يتلذذ بهذه المحادثات غير المجدية.

لكنه كان فرحا جدا ان صديقه سيحقق هدفا مهما في الايام المقبلة.

اشترى ولاء بطاقة السفر من مكتب الخطوط الاردنية فيي البلازا  بعد منطقة العبدلي.

كانت  الفتاة التي تعمل في المكتب اردنية

ذكرته بفتاة احلامه في الجامعة ببغداد، طويلة وعيناها سوداوان وشعرها اسود طويل، لم تضع مكياجاثقيلا وصوتها هادئ لدرجة انه كان يسالها كل مرة ان تعيد ماقالت.

كانت لطيفة جدا وجعلت مهمة شراء البطاقة في غاية السهولة.

سألت ولاء

انتم العراقيين رحالة ماتستقروا ببلد

نحب التحدي موبيدنا

اجاب ولاء وهو يحدث نفسه

( وجه هذي الحلوة خير اكيد وكل شي راح يكون تمام). بعد هذا الحوار قالت له ان اسمها نادية

وانه لو احتاج لاي شئ قبل السفر فيمكنه الاتصال بها على المكتب.

كلفته التذكرة ٨٠٠ دولارا وكانت تذكره ذهاب واياب ( للايحاء انه سيعودتكتيك استخدم كثيرا في تلكالايام).

لم تكن هناك رحلات مباشرة من عمان الى سلوفينيا. كان الخط يبدا بعمان ، ومن ثم ترانزيت في روماوالوجهة النهائية مطار ليوبليانا في عاصمة سلوفينيا.

حان موعد السفر. كان صباحا باردا من شهر كانون الاول من عام ١٩٩٤

ذهب زيدون ونورس مع ولاء ورافقوه الى عمان ومن هناك ذهب وحده الى المطار.

كان ولاء متيقنا ان رحلته ستكون سلسة بدون مشاكل. وذكر نفسه للمرة المليون انه لايغادر الاردن بجوازمسفر او بمساعدة مهرب مثلما كان يتامل عند وصوله قبل عام. واصدقائه في سلوفينيا وعدوه بايجاد عملله بمجرد وصوله وبامكانه ان يستقر هناك .

حين عاد زيدون ونورس الى البيت في الزرقاء

قال زيدون

اذا مارجع ولاء بنص الليل اگص ايدي

كان لزيدون حدس كبير ان هناك طارئ ما غير متوقع سيفسد خطة ولاء البسيطة.

ماكو عراقي يسافر بهذي السهولة، احنا مغضوب علينا. البارحة بالسوگ بياع الخضرة من عرف انيعراقي بدا يخطب

انتوا العراقيين جاحدين للنعمة، بلدكم اعظم بلد وعندكم قائد كل العرب تتمناه

كان زيدون يتحدث مع امي، واكمل:

اني گتله بهدوء خرا بهذا القائد، اخذوه اذا بدكم

طبعا رفض يبيعلي  والا شويه يهطرني بالميزان.

برحيل ولاء شعر الجميع بفراغ كبير، كان جزءا مهما من العائلة. شعر الجميع بالحزن لفراقه

الا زيدون الذي بدا متاكدا ان ولاء سيعود بشكل ما.

الاشكال الوحيد الذي واجه ولاء في المطار هو غرامات الاقامة. كان على العراقي في الاردن اذا تجاوزت مدةاقامته اكثر من ٦ اشهر ان يدفع غرامة مقدارها دينارا اردنيا عن كل يوم بعد انتهاء مدة الاقامة. فكانالعراقيون الذين يستطيعون ان يعودوا الى العراق يسافرون ويعودون للاردن بعد ايام لتجديد الاقامة. اماالمغضوب عليهم مثل ولاء فكانوا يسافرون برا الى سوريا وبمجرد ختم الجواز يعودون الى الاردن. لكنالسوريين اكتشفوا هذا الملعوب واوقفوه.

كان لابد لولاء ان يتقيأ مبلغ الغرامة صاغرا.

بعد ياالهي راح تفض؟ ردد مع نفسه.

ولكنه حين صعد الطائرة الاردنية المغادرة الى روما احس بالفخر والخوف في آنٍ واحد. ذكر نفسه ان يتصرفبهدوء وثقة وزرع ابتسامة مصطنعة على وجهه.

وينك زيدون؟ حتى تصدگ اني بالطائرة، لِمْ فراشي بالزرقاء بعد مراح ارجع.

قال في سره.

وحين بدات الطائرة بالتحليق هدات نبضات قلبه رغم انه كان يصعد الطائرة لاول مرة في حياته.

اثناء الرحلة لمح ولاء شخصا بدا عراقيا

لم يعرف كيف ظن انه عراقيا

هل لدى العراقيين ملامح خاصة وهم في الطائرات، هل يشي خوفهم بهم؟

تبادل معه حديثا قصيرا بدون تفاصيل مهمة لكنه عرف ان لهذا الشخص عائلة تسكن روما.

بعد حوالي اربع ساعات من الطيران والتوجس وصل ولاء الى روما.

ومضى الى قاعة الترانزيت بعد دخول المطار مع بضعة ركاب اخرين. كان جائعا ومتعبا من السفر. احس انهملاكم خارج من نزال نهائي ورأسه اثقل من طن.

ولاحظ ان الشاب العراقي الذي كان معه في الطائرة قد مضى مع الركاب الاخرين لدخول روما.

غفا ولاء على الكرسي في قاعة الترانزيت بانتظار المرحلة الثانية من رحلته دون ان يشعر ، واوراقه المختومةوجوازه بيديه. كان مثل جثة هامدة في قاعة الترانزيت. لو نفخت عليه لكنت اسقطته دون مقاومة. غفا وكأندماغه تعرض لعملية إزالة شاملة لكل الذكريات العصيبة. كان رأسه مثل ريشة سلخت من جناح طير وتاهتفي المدى.

في نومه العميق احس وكانه في كابوس وان يدا ثقيلة ترمي به من جسر عالٍ الى هوة سحيقة وهو يحاولمتشبثا ان لايسقط.

كانت هناك يد ثقيلة فعلا على كتفيه

اثنان من رجال امن المطار في روما حاصراه

وكانت ايديهم المدربة تهز اكتافه لايقاظه من غفوة سحرية نادرة.

فهم من خلال تلويح الايادي انهم يسألون عن جوازه

انت عراقي

قالا له بانگليزية ركيكة

عراقي

رددت جدران قاعة الترانزيت في روما هذه الكلمة وكأنها تهمة.

انت عراقي اذن انت مذنب

كانت ملامح الرجلين لاتختلف عن ملامح رجال الامن في مركز امن الرشاد الذين واجههم ولاء وهو في الثالثةعشر من عمره.

عيون قاسية وافواه مدججة بالسكاكين.

انت عراقي؟

احتاج ولاء بضعة دقائق ليفهم سؤالهما ولكنه احتاج بضعة ساعات ليفهم لماذا هو بالذات

وكيف اصبح متهما؟

حاول احد الرجلين ان ياخذ الجواز من يد ولاء بعنف

لكن ولاء وهو يصحو من كابوس السقوط من اعلى الجسر لم يستسلم لطلب رجل الامن.

نهض من الكرسي بكامل قواه العقلية واسقط اوراقه على الارض وامسك برجل الامن الايطالي

وعاجله بكلة ( استخدم راسه لضربه) عراقية اطاحت به وسط دهشة رجل الامن الآخر واستغرابه.

كانت ردة فعل ولاء العنيفة دفاعا عن النفس

المهروسة لامد طويل.

ترنح رجل الامن من اثر ضربة ولاء غير المتوقعة.

وفي خلال بضعة دقائق وجد نفسه ممدودا على ارضية الترانزيت وسط ركلات فريق كامل من الشرطةالايطالية وسقطت عليه الهراوات والشتائم من كل حدب وصوب.

وهو لايعرف حتى تلك اللحظة ماذا حدث، ولماذا؟

استسلم جسده للسحل ولم يقاوم وفي ذاكرته

ثمة نداء خفي من امه تناديه:

ولاء يمه لاتخاف.


مشاركة المقال :