سينما السيكودراما (متلازمة ستوكهولم)

كتب د/ خالد البغدادى

السجن مش أحجار .. ولا أسوار وقضبان

وأنا مش لازمنى لا باب ولا سجان

أنا سجنى جوايا تنوره دموعى

زنزانتى فى قلبى

قضبانى فى ضلوعى ..!!

عبدالرحمن الأبنودى

لعل تلك الكلمات للخال عبدالرحمن الأبنودى تشير بوضوح لتلك الحالة المتناقضة التى تصيب بعض البشر نتيجة لظروف اجتماعية أو انسانية أو سياسية خاصة ، بتعرضوا خلالها الى نوع من القهر النفسى تجعلهم فى حالة من التيه والفقدان ، فأنت تسطيع أن تخرج الإنسان من السجن .. لكنك لا تستطيع أن تخرج السجن من الإنسان ..!!

وهو ما يعرف فى الدراسات الفسيولوجية والسيكولوجية ( متلازمة ستوكهولم) Stockholm syndrome  وهى من العقد النفسية الخاصة التىتصيب الإنسان بنوع من الارتباك فى الفهم والإدراك، والحقيقة أن السينما المصرية والعالمية قد استلهمت العديد من المشكلات والعقد النفسية وقدمت لها العديد من المعالجات الفنية والدرامية ، ومن أبرز هذه العقد المعروفة تاريخيا منها:

عقدة (أديب)..الشاب الذى يعشق أمه.

وعقدة (إلكترا) الفتاه التى تعشق أبيها

وعقدة (ميديا) الانسان الذى يعشق بنفسه.

وغيرها من المشكلات والصعوبات النفسية والعصبية مثل مشكلة (التوحد) والشخصية ( النرجسية) .. وغيرها. فهذه العقد تعطى للمؤلف والمخرج والممثل مساحة رحبة فى البحث داخل خبايا النفس البشرية والعقل الباطن وعالم اللاوعى المجهول والملىءبالخفايا والأسرار، وقد عالجت السينما المصرية هذه الإشكاليات النفسية والذهنية فى العديد من الأفلام مثل معظم أفلام احسان عبدالقدوس . والفنان محى اسماعيل فى فيلم (الإخوة الأعداء) ومحمود عبدالعزيز فى فيلم ( اكس علامة معناها الخطأ) وسعاد حسنى فى فيلم (بئر الحرمان) ومحمود ياسين فى فيلم (أين عقلى) .. وغيرها.

أما متلازمة ستوكهولم فهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف مع مَن أساء إليه بشكل من الأشكال أو يُظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المخطوف مع الخاطف ، والمجنى عليه مع الجانى بل ويدافع عنه أيضا. فالتضامن مع المعتدي هو إحدى الطرق للدفاع عن الذات. فالضحية حين تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدِي فإن هذه الأفكار والتصرفات لن تعتبرها الضحية تهديدًا أو تخويفا. وتعود أصل هذه المتلازمة الى حادثة حقيقية حدثت في ستوكهولم عاصمة السويد عام 1973 حيث قاممجموعة من اللصوص بعملية سطو مسلح على أحد البنوك واحتجزوا مجموعة من الرهائن لمدة ستة أيام ، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم..!!

وقد عالجت السينما العالمية هذه الظاهرة في العديد من أشهر الأفلام منها فيلم  king kong وفيلم  for vandatta   وغيرها ، وفى عام 2018 أنتجت هوليود فيلم عن القصة الحقيقية التى حدثت حمل اسم   Stockholm story  بطولة نومى راباس ومارك سترونج . ونفس الفكرة عالجها وحيد حامد فى نهاية فيلم ( الإرهاب والكباب) عندما تعاطف المخطوفين مع الشخص الذى احتجزهم وقاموا بتهريبه معهم ..!!

ولعل أوضح مثال فى هذا السياق هو فيلم ( سوق المتعة) للكاتب وحيد حامد أيضا وبطولة محمود عبدالعزيز والفنانة الهام شاهين واخراج سمير سيف انتاج عام 2000

سوق المتعة

النار تحتاج دائما الى مزيد من الحطب ..

حتى تستمر فى التأجج ..!!

ربما تكون هذه العبارة هى المدخل الصحيح لمحاولة فهم مغزى هذا الفيلم حيث يكون المواطن العادى هو الحطب التى تحتاجه النار دائما حتى تستمر فىالإشتعال ، تلك الكلمات جاءت على لسان زعيم العصابة الذى لعب دوره بإقتدار الفنان حمدىأحمد وأدى دور الأب الروحى لتلك العصابة الإجرامية التى تتبنى نسق قيمى وسلوكى خاص بها ، مما يذكرنا بفيلم العراب للفنان مارلون براندو.

 

 

 

والحقيقة أن هذا الفيلم من أجمل وأفضل الأفلام فىتاريخ السينما المصرية لكنه لم ينل حتى الآن الفهم والتقدير اللازم الذى يستحقه سواء من النقاد أو الجمهور، فهذا الفيلم أهم وأعمق كثيرا مما يبدو عليه، ويعد من افضل ما كتب وحيد حامد حيث كتب نصذكى ومراوغ يحتمل العديد من القراءات على مستويات متعددة ، منها البعد السيكولوجى/ النفسى ، والسيسيولوجى/ الإجتماعى، والمثيولوجى/ الأسطورى أيضا.

فالقصة يُمكِن النظر إليها كدراسة للتشوهات الاجتماعيّة والسيكولوچيّة التي تنجم عن طول المكوث بين جدران السجن، وانكسار روح الإنسان الواقع تحت قبضة السُلطة الاستبداديّة سواء أكانت سُلطة سياسيّة أو حتى سُلطة رأس المال الذى يستعبد الجميع ويصيبهم بالتوحش ، وصولاً للرؤية الأكثر حدة وهى الرؤية الفلسفية الوجوديّة وعلاقة الإنسان بالأغيار، فالرواية تحتمل الكثير من التأويل ما بين المعنى الميتافيزيقي والبعد السياسي والتفسير الاجتماعي.!!

الفيلم يحكي قصة أحمد حبيب أبو المحاسن الّذي وقع ضحية مكيدة قبل عشرين سنة حين تم الإيقاع به في المطار بدس مواد مخدرة في حقائبه للتغطية على تهريب شحنة مخدرات ضخمة من المطار، وما استتبع ذلك من احتراق زهرة شبابه في السجن الذي خرج منه كهلاٌ مُحطماً، ليجد بانتظاره سبعة ملايين جنيه هى قيمة التعويض الّذي ادخرتهواستثمرته له العصابة التي أوقعت به عن سنين عمره التي ضاعت.

وبالرغم من المال الوفير الذى يملكه وكل أنواع المتع التى يمكنه الحصول عليها لكنه لم يستطع أن يتأقلم على وضعه الجديد فقد بصمه السجن ببصمة لا تمحى ، ليكتشف أن ما فقده بين جدران السجنأكبر من ذلك بكثير، إذ تشوّهَت فطرته وصار عاجزاً عن الاستمتاع بحياته بشكل طبيعي. حيث مسخ السجن روحه وحوله لمخلوق شاذ لا يجد متعته إلا في تدخين أعقاب السجائر والنوم على الأرض وممارسة العادة السرية وتنظيف الحمامات، وما هو أسوأ منذلك بكثير وصولا الى ممارسة كل أنواع السلوك الإنساني الشاذ.

مما يدفعه للتمرد على ذاته بعد أن استوعبَ طبيعة وحجم ما اقتُرِفَ بحقه من مَسخ وتشويه للفِطرة الإنسانيّة ، يذهب أحمد أبو المحاسن بُناءً على طلبه لمقابلة زعيم العصابة التي أوقعت به قبل عشرين سنة ، وفى المشهد الأخير يلتقى به فى مبنى غامضشديدة الارتفاع يطل على الناس والمدينة من ارتفاع شاهق، في دلالة رمزية مقصودة من وحيد حامد.ويدور بينهما حديث يُبدي زعيم العصابة دهشته من موقف أبي المحاسن الّذي لم يعبأ بالنعيم الّذي فتحوا له أبوابه، ورفع رأسه إلى أعلى مُحاولاً الوصول إلى الرجل الكبير. لكن يسأله أبو المحاسن بدوره عن السبب الذى جعلهم يدفعوا به إلى هذه التجربة المؤلمةالتي نزعت عنه إنسانيته، فيُجيبه الرجل المهيببصوت عميق وكأنه صوت القدر .. بأن دوره في هذه القصة هو دور الحطب الذي تؤجَج به النار لينتفع بها آخرون.

)من حقك تفهم يا ابو المحاسن. بس إمتى؟ قبل ما تموت بشوية صغيرين. لأنك لو فهمت وفضلت عايش هتبقى بلوة كبيرة( ..!!

الرغبة والرفض

اليأس فقدان الأمل

الرفض فقدان الرغبة ..!!

وعند تأمل البناء المعرفى المؤسس لطريقة التفكير البسيطة لشخصية أحمد حبيب ابو المحاسن نجده بناء معرفى بسيط ومشوه قائم على الثقافة الشعبية التى تؤمن بالحتمية القدرية ، لذلك فهو يتعامل مع الحياة بشكل عفوى ، انه أقرب الى أبطال الأساطير الإغريقية عندما يتصارع الإنسان مع قدره .ورغم أنه عقد اتفاق مع العصابة وحصل على تعويض مالىكبير عما فاته من سنوات العمر ، وهو اتفاق كان يمكن ان يبدو عادلا وكافيا لكنهم نسوا شيئا واحدا .. ان الشخص الذى دخل السجن غير الشخص الذى خرج منه.

فما جدوى أشهى المأكولات والشهية مفقودة؟

وما جدوى اجمل النساء والرغبة معدومة؟

وما جدوى المال بعد ان فقدت شغف الحياة ، وليس لديك أى رغبة فى امتلاك أى شىء..!!

والفيلم يلعب على الغريزة الأولية للإنسان حيث سوق المتعة وكل المتع متاحه ، شهوة جمع واقتناء الأموال ، والشهوة الجنسية بكل ألوان المتع ، وكل هذا يدور فىعالم تجارة المخدرات حيث عالم النشوة والمتع الحسية وخيالات الدخان الأزرق لكنه فقد الرغبة فىالحياة ولم يعد يستطيع العيش فى الحياة الطبيعية ، بل أصبحت حياة السجن هى حياته الطبيعية والأساسية التى لا يمكن الاستغناء عنها، فقد تشوهت فطرته الإنسانية وأصبحت متعته الاساسية فى تنظيف حمامات السجن ، والنوم على البورشفى الزنزانه حيث الكل يعذبه ويهينه ويتحكم فيه ، ابتداءا بزملاء السجن من المجرمين وصولا الى حراس السجن والمأمور ولكن رغم كل هذا يبدو سعيد ومبسوط ، لأن هذه هى الحياة الطبيعية التى اعتاد عليها. وهنا نصل لفكرة أعجاب الضحية بالجلادواعجاب المجنى عليه بالجانى بل والتعاطف معه أيضا.

حتى قرر فى النهاية ان يقيم سجن خصوصى خاص به حيث اشترى مزرعة وقام ببناء سجن وعنابر وزنازين ، واحضر كل زملاء السجن حتى المجرمين الذين كانوا يسيئون اليه وقام بإستدعاءالضباط والعساكر وحتى مأمور السجن بعد أن طلع على المعاش ، لذلك فقد وجد فى دعوة أبو المحاسن له فرصة فى العودة الى ممارسة سلطاته التحكمية من جديد ، ويبدو اننا جميعا قد أصبحنا مجموعة من المرضى النفسيين بشكل او بآخر والاختلاف فىالدرجة فقط فالجميع أصبح يعانى من المرض النفسى ولكن بدرجات متفاوتة .

وهنا نعود من جديد لفكرة أنك قد تستطيع ان تخرج الإنسان من السجن .. لكنك لا تستطيع أن تخرجالسجن من الإنسان، ونعود الى أبيات عبدالرحمن الأبنودى المذكورة فى البداية ..!!

أحلام خد الجميل

وهنا نصل للدور الأهم فى هذا الفيلم الذى أدته الفنانة الهام شاهين ، وهو شخصية احلام المدبولىالشهيرة ب (احلام خد الجميل) ويجب أن نشير هنا الى أن فكرة نحت أسماء الأبطال من اهم السمات المميزة لوحيد حامد ، ويوظفها دائما فى صناعة حالة من الدعاية والرواج التى يحتاجها الفيلم. فهىالمعادل الفنى والإنسانى فى مقابل شخصية أحمد أبو المحاسن، فهى شخصية حقيقية من لحم ودم مثيرة وجذابة تمثل له كل متع الحياة الطبيعية والحقيقية التى كان يتمنى أن يعيشها فى مقابل حياته المرتبكة وانسانيته المشوهة.

وهو من أهم الأدوار الفنية والإنسانية التى لعبتها الفنانة الهام شاهين فى حياتها حيث استطاعت أن تقنع المشاهد وتستحوذ على اهتمامه من خلال إلمامها بكل تفاصيل الشخصية النفسية والشكلية والخلفية المعرفية البسيطه لها والمستمدة من ظروف قاسية تعيشها طبقة فقيرة تحت المتوسطة. فى دور الفتاة التى نزلت الى سوق المتعة لتبيع وتشترى .. تبيع جمالها وأنثوتها مقابل ان تشترى نصيبها من أساس الزوجية عفش الشقة وتكاليف الزواج الذى سيساعدها فى اصطياد عريس مناسب..!!

والحقيقة أن حضور الهام شاهين القوى فى الفيلم هو الذى سرق عيون المشاهد واهتمامه حيث برعب فى تقديم دورها وجسدت دور فتاة الليل المتفجرة الأنوثة التى تذوب رقة ودلال وعذوبة ، مما أثر -الى حدا ما- بشكل سلبى على الفيلم فلم ينتبه معظم المشاهدون للمغزى الحقيقى للفيلم والأبعاد الفلسفية والنفسية والإجتماعية التى قصدها وحيد حامد، وهنا تظهر اشكالية نقدية غريبة وهى الى أى مدى يجب ان يتقن الفنان دوره ؟ وهل من المطلوب أحيانا ألا يتقن الفنان دوره وألا يعطى كل مجهوده حتى لا يسرق الإهتمام من مغزى ومعنى الفيلم ذاته؟

أم ان على كل فنان أن يبذل كل جهده فى اداء دوره.. والمشاهد وهو الذى يقوم بعملية الفرز والإختيار ، وهنا نأتى لفكرة ضرورة تنمية وعى المشاهد وقدرته على طريقة المشاهدة الصحيحة ، وطريقة التعاطىالصحيح مع الأعمال الفنية ، وكيف يمكن ان نفرق بين الشخص والشخصية اى بين الممثل والشخصية التى يؤديها وما زال حتى الآن وبعد كل هذه السنين لا ينتبه البعض الى أحمد أبو المحاسن ومآساته  بقدر أنتباهه لشخصية أحلام خد الجميل وأنوثتها ..!!


مشاركة المقال :