الفنان التشكيلي جبار مهدي بين الذاكرة والمكان

رحيم يوسف / بغداد

أعتقد جازمًا بأن ظاهرة عشق المدينة يمكن أن تتحول إلى حالة مرضية لا شفاء منها؛ ولذلك فإن الذين يعانون هذه الظاهرة يظلون منتمين إلى المدن التي يعيشون فيها حتى أواخر أيامهم، ولا يغادرونها مهما توفرت لهم البدائل. وحتى إن غادروها لأسباب مختلفة، فإنهم يحملونها معهم، وبذلك يكونون قد غادروها باعتبارها وجودًا مكانيًا، لكنها لا تغادرهم مطلقًا. ولهذا يسعون إلى استحضار تلك المدن في شتى الحقول الإبداعية التي يمارسونها.

هكذا يمكنني النظر إلى تجربة الفنان التشكيلي جبار مهدي، الذي انتمى إلى مدينته عشقًا، وراح يدوّنها بصريًا عبر تفاصيلها المختلفة، راصدًا حركتها وسكونها، وطبيعتها وناسها وهم يمارسون حياتهم اليومية بأدق التفاصيل. وتلك مهمة لا يمكن أن يُكتب لها النجاح لولا العشق المتبادل وتبادل الأدوار أيضًا؛ فهو يسكن المدينة مكانًا وانتماءً، وهي تسكنه معنى وجوديًا متجذرًا. ولذلك تمارس تجربته تجوالها بين الذاكرة والمكان.

بحسب الفنان الإنجليزي جوزيف تيرنر، الذي يُعدّ من أهم رسامي الألوان المائية في العالم، فإن:

«الضوء، إذن، هو اللون».

فالضوء يشكّل أحد أهم عناصر السطح التصويري، خصوصًا لدى الفنانين الذين يتخذون الألوان المائية وسيطًا تعبيريًا في تجاربهم التشكيلية. ولعل هذا القول يدلّل على الرهان على قدرات الفنان؛ إذ إن استنباط الضوء من اللون يُعدّ من العمليات المعقدة نوعًا ما. ولذلك ساوى تيرنر بين الضوء واللون، بل جعلهما كيانًا واحدًا. وقد لا يعلم الكثيرون أن التجارب التشكيلية التي يتخذ أصحابها الألوان المائية وسيطًا تعبيريًا وحيدًا قليلة جدًا، قياسًا إلى أعداد الفنانين الذين يستخدمون الوسائط الأخرى المتاحة للتعبير. ولهذا فإن من يختار هذا الوسيط ينبغي أن يمتلك قدرات أدائية عالية، اكتسبها عبر ممارسة طويلة ودربة ليست بالقليلة، حتى يضع تجربته أمام المتلقي بعيدًا عن خطر السقوط في فخ السطحية أو انعدام النضج.

وثمة صعوبات معروفة تواجه الفنان التشكيلي الذي يختار الألوان المائية وسيطًا أساسيًا لممارسة تجربته الفنية، دونًا عن المواد التشكيلية الأخرى. فالألوان المائية ليست مجرد مادة لونية قابلة للتطويع، بل هي وسيط يتطلب حساسية عالية في التعامل مع الماء والشفافية والورق، فضلًا عن سرعة التفاعل بين هذه العناصر، الأمر الذي يجعل السيطرة على النتائج بالغة الصعوبة أحيانًا.

ولعل أبرز ما يميز هذه التقنية أن الفنان لا يستطيع دائمًا استعادة الحالة اللونية الأولى أو إخفاء آثار الخطأ بسهولة، كما يحدث في بعض التقنيات الأخرى. فالماء يتحرك وفق طبيعة السطح ودرجة امتصاصه، واللون يتداخل مع غيره ضمن علاقات يصعب التنبؤ بها بصورة كاملة. وهذا ما يجعل المصادفة عنصرًا حاضرًا في عملية التشكيل، ويضع الفنان أمام ضرورة تحقيق توازن دقيق بين ما يخطط له وما تفرضه المادة من احتمالات.

ومع ذلك، فإن هذه الصعوبات لا تنتقص من إمكانات الألوان المائية، بل تكشف عن خصوصيتها الجمالية؛ إذ تمنح الفنان قدرة على إنتاج فضاءات تتسم بالرهافة والشفافية وتدرجات الضوء، وتجعل من التحكم بالفراغ والاختزال اللوني والاقتصاد في المعالجة شروطًا أساسية لنجاح التجربة. فالفنان المتمكن لا يسعى إلى إخضاع المادة لسيطرته المطلقة، بقدر ما يطوّر حساسية بصرية تتيح له التفاعل مع خصائصها، وتحويل ما يبدو عائقًا تقنيًا إلى قيمة تعبيرية وجمالية.

إن التحدي الحقيقي في الألوان المائية لا يكمن في السيطرة على اللون وحده، بل في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها التدخل، واللحظة التي يتعين فيها ترك الماء واللون يكملان ما بدأه الفنان.

من هنا، يمكننا الدخول إلى تجربة الفنان التشكيلي جبار مهدي الشمري، الذي واصل الاشتغال على تجربته بالألوان المائية وسيطًا تعبيريًا وحيدًا. لكن قبل ذلك، لا بد من الإشارة إلى قدراته الفنية الأخرى، ومنها الموسيقى؛ فهو عازف ماهر يمتلك قدرات لحنية، فضلًا عن تمكنه من الغناء، إذ يمتلك صوتًا متميزًا يعينه على ذلك.

وبهذا، لا يمكن قراءة تجربته التشكيلية بمعزل عن هذه القدرات، لأن ثمة وشائج خفية وأخرى معلنة تربط الفن التشكيلي بالموسيقى، من بينها الإيقاع، الذي سيكون حاضرًا في مختلف السطوح التصويرية التي يدوّنها.

تكشف السطوح التصويرية عن انشغال واضح بالإنسان في بيئته، وبالمكان الشعبي باعتباره ذاكرة اجتماعية وبصرية، مع توظيف إمكانات الألوان المائية في التعبير عن هشاشة الزمن وشفافية التذكر. وهي تجربة يمكن قراءتها من خلال العلاقة بين الإدراك وذاكرة المكان، حيث لا تستعيد الصورة الأشياء وحدها، وإنما تستعيد أيضًا الطريقة التي عاش بها الإنسان تلك الأشياء ورآها واحتفظ بأثرها.

من هنا، فإن الفنان يسعى إلى استعادة المكان من خلال تفاصيل الحياة اليومية، لا إلى مجرد نقل مشاهد من الشوارع والأزقة والأسواق والبيوت. فنحن هنا أمام ذاكرة بصرية تتشكل من مفردات تبدو مألوفة: رجل يجلس على الرصيف، وبائع ينشغل بأدواته، وشيوخ يتقاسمون لحظة من السكون، ونساء يعبرن الأزقة، ونخيل يحيط ببيوت قديمة، وأبواب وجدران تحمل آثار الزمن. لكن أهمية هذه المفردات لا تكمن في موضوعاتها وحدها، بل في الطريقة التي تتحول بها إلى مادة للتذكر، وإلى وسيلة لاستعادة علاقة الإنسان بمكانه.

يحتل الإنسان مساحة أساسية في هذه التجربة. فالشخصيات ليست جميعها منشغلة بأفعال كبيرة أو أحداث استثنائية؛ بعضها يجلس، وبعضها يعمل، وبعضها ينتظر أو يعبر الطريق. ومع ذلك، تمنحها هذه الأفعال البسيطة حضورًا إنسانيًا يتجاوز حدود اللحظة المرسومة.

تستوقفنا صور الرجال المسنين، ولا سيما أولئك الجالسين على الرصيف أو المتكئين على عصيهم. فالأجساد المنحنية، والوجوه التي تحمل ملامح التعب، والأيدي المستقرة على الركب، تشير إلى حياة طويلة أكثر مما تشير إلى عمر بيولوجي. إن الفنان لا يحتاج إلى سرد حكايات أصحاب هذه الوجوه؛ إذ تتيح لنا الهيئة الجسدية أن نتخيل ما لا تقوله الصورة مباشرة.

وفي مشاهد الباعة والحرفيين، يظهر الإنسان في علاقته بعمله وأدواته. فالأباريق والأواني والمواد المتناثرة ليست مجرد تفاصيل مساعدة، بل عناصر تسهم في بناء هوية الشخصية وتحديد علاقتها ببيئتها. أما مشاهد النساء في الأزقة أو عند شرفات البيوت، فتستعيد جانبًا من الحياة المنزلية والاجتماعية، حيث يتداخل الخاص والعام في فضاء المدينة التقليدية.

إن عملية التكرار التي يمارسها في سطوحه التصويرية، من خلال الأزقة الضيقة والبيوت المتجاورة والأبواب الخشبية والأسواق الشعبية وشوارع المدن التي تتداخل فيها حركة الناس مع حضور المركبات والمحلات، لا تمثل ميلًا إلى موضوع محدد، بل تكشف عن انشغاله بالمكان باعتباره مستودعًا للتجارب الإنسانية. فالزقاق هنا ليس ممرًا بين بيتين فحسب، والباب ليس عنصرًا معماريًا منعزلًا، والشارع ليس مساحة لحركة المارة؛ إذ إن لكل مفردة من هذه المفردات تاريخها الصامت، وما تراكم فيها من استعمال وغياب وانتظار. إن الجدران القديمة، بما تحمله من تشققات وتغيرات لونية، تقدم زمنًا مرئيًا، فيما تستعيد حركة الأشخاص ذلك الزمن في صورته الحية.

ويمكننا الاقتراب من هذه التجربة عبر أفكار الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي، الذي ربط الإدراك بحضور الجسد في العالم. فنحن لا ندرك المكان من الخارج فقط، بل من خلال إقامتنا فيه، وحركتنا عبره، وما تتركه تجاربنا من آثار في وعينا. وبهذا المعنى، تبدو الأزقة والشوارع في هذه السطوح أمكنة مأهولة بالذاكرة، حتى حين لا نعرف أسماءها أو أصحابها.

إن أكثر ما يجمع سطوحه التصويرية ليس موضوع الشارع أو الشخصيات أو العمارة القديمة وحده، بل إحساسها بأن الحياة اليومية جديرة بأن تكون موضوعًا للفن؛ فالأشياء التي قد تمر أمام أعيننا من دون أن نتوقف عندها، كرجل ينتظر، أو بائع يمارس عمله، أو باب يحمل آثار الاستعمال، أو طريق يختفي في عمق الظلال، تصبح هنا مركزًا للرؤية. غير أن قوة التجربة لا تتحدد بإنسانية موضوعاتها وحدها، بل بقدرتها على تحويلها إلى بناء تشكيلي مستقل؛ فالموضوع المؤثر لا يعوّض ضعف التكوين، والذاكرة لا تكتسب قيمتها الجمالية ما لم تجد لغتها البصرية المناسبة.

وأخيرًا، فإن تجربة جبار مهدي اكتسبت أهميتها من اشتغالها على ذاكرة المدينة، كما اكتسبت خصوصية جعلتها واحدة من التجارب المهمة في التشكيل العراقي المعاصر.


مشاركة المقال :