ثلاثة كراس ٍ وعمرٌ واحد مقاس الحياة

أميرة ناجي

 

أمير الخطيب والكرسي مقياسًا لتحولات الإنسان

لو تأملنا حياتنا جيدًا، لاكتشفنا أننا لا نكبر دفعةً واحدة، بل ننتقل من مقاس إلى آخر

من يدٍ صغيرة تتشبث بالأشياء، إلى جسدٍ يتعلم الوقوف، ثم إلى إنسان يبحث عن موضعه بين الآخرين. نحن لا نغيّر أجسادنا فقط، بل تتغير علاقتنا بالمكان وبالأشياء، وبالسلطة، وبالآخرين. وربما لهذا تبدو تجربة أمير الخطيب مع الكرسي في هذا العمل كأنها تقبض على الحياة من أكثر تفاصيلها بساطة: المقاس.

ثلاثة كراسٍ، ثلاثة أحجام، ثلاثة إيقاعات للوجود.

لكنها ليست ثلاثة قطع اثاث متجاورة

إنها ثلاثة أعمار صامتة تقف أمامنا.

يقول الفيلسوف اليوناني بروتاغوراس: الإنسان مقياس الأشياء جميعًا. وهذه المقولة، حين نضعها أمام تجربة أمير الخطيب

تكتسب معنى بصريًا لافتًا فالإنسان هنا لا يظهر في العمل، لكنه حاضر من خلال المقياس الذي صنعه لنفسه. الكرسي يصبح امتدادًا للجسد، وحين تتدرج الكراسي في أحجامها، فإنها لا تقيس الخشب أو المادة، بل تقيس مراحل الإنسان نفسه.

في هذا العمل لا يبحث أمير الخطيب عن كرسي واحد، وإنما عن العلاقة التي تنشأ بين كراسٍ مختلفة الأحجام. وهذا التحول في بناء الفكرة مهم نقديًا

لأن قيمة العمل لا تكمن في كل كرسي منفرداً، وإنما في المسافة التي تنشأ بينها وفي التدرج الذي يحول الأشياء إلى سرد بصري صامت.

الصغير يقف أمام الأكبر منه، والمتوسط يتوسط المسافة، والكبير يحتل فضاءً أوسع. للوهلة الأولى قد تبدو المسألة مجرد تدرج حجمي، لكن العين سرعان ما تكتشف أن هذا التدرج يشبه نظام الحياة نفسها: بداية، ونمو، ونضج.

إنها سيرة الإنسان وقد اختُزلت في الأثاث.

الكرسي الصغير يستدعي الطفولة من دون أن يرسم طفلًا. إنه مكان لجسد لم يكتمل بعد، لحضور لا يزال في طور التشكل. أما الكرسي المتوسط فيبدو كمرحلة انتقالية مرحلة لا يعود فيها الإنسان طفلًا، ولم يبلغ بعد أقصى اتساعه. ثم يأتي الكرسي الكبير بارتفاعه وامتداده، كأنه يعلن اكتمال الجسد، أو الدخول إلى فضاء المسؤولية والمجتمع والعمل والقرار.

بهذه الطريقة يتحول التدرج من تقنية تشكيلية إلى بنية زمنية.

الفنان لا يرسم الزمن، لكنه يجعلنا نراه.

وهذه إحدى نقاط القوة في التجربة

إذ استطاع الخطيب أن يستبدل التسلسل الزمني بالتسلسل المكاني. فبدل أن نشاهد الإنسان وهو يكبر أمامنا، نشاهد الأشياء التي تكبر معه. وبدل أن يقول لنا: هذه طفولة، وهذا نضج، وتلك مرحلة اكتمال، يترك الكراسي تقوم بهذه المهمة بصمت.

إنها لغة بصرية تقوم على الاختزال.

والاختزال هنا لا يعني الفقر في المعنى، بل على العكس، يعني قدرة الفنان على تحميل عنصر مألوف بطبقات متعددة من الدلالة.

فالكرسي في حياتنا مرتبط بالجسد، والجسد مرتبط بالعمر، والعمر مرتبط بالزمن. ومن هذه السلسلة البسيطة يستطيع العمل أن ينتقل من الشيء إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الحضارة.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الكرسي لا يبقى أداة للجلوس، بل يتحول إلى وحدة قياس حضارية.

فالإنسان منذ أن عرف الاستقرار في المكان أخذ يبتكر الأشياء التي تلائم جسده وحاجاته. والكرسي واحد من هذه الاختراعات التي رافقت تطور المجتمعات وتغيرت أشكاله بتغير أنماط الحياة. من المقاعد البسيطة إلى الكراسي المرتبطة بالسلطة والطقوس والمهن، ظل الكرسي يكشف شيئاً عن الإنسان الذي صنعه واستخدمه.

ومن هنا يمكن قراءة عمل الخطيب اتصالًا بين تاريخ الإنسان وتاريخ الأشياء.

فالحضارة لا تُبنى بالمعابد والقصور وحدها، ولا تُقرأ من الآثار الكبرى فقط أحيانًا تكمن صورة المجتمع في أكثر الأشياء تواضعًا:

في وعاء، أو باب، أو سرير، أو مقعد، أو كرسي. الأشياء اليومية تحفظ جزءًا من تاريخ الإنسان لأنها تكشف كيف عاش وكيف جلس، وكيف رتّب علاقاته داخل البيت والمجتمع.

ومن هذه الزاوية، يصبح الكرسي وثيقةً حضارية لا تقل أهمية عن الأثر الكبير.

إن اختلاف أحجام الكراسي في تجربة الخطيب يمكن أن يفتح أيضاً على مفهوم تعاقب الأجيال. فالكرسي الصغير يمكن أن يكون لطفل، والمتوسط لجيل تالٍ والكبير لجيل سبق أو لحق. إنها سلسلة لا تتوقف كل كرسي يستدعي جسدًا، وكل جسد ينتمي إلى زمن، وكل زمن يترك أثره لمن يأتي بعده.

وهكذا يصبح العمل أشبه بشجرة عائلية بلا أشخاص.

هناك أب، وأم، وطفل، وذاكرة بيت، وأجيال تتعاقب، لكن أحداً منهم لا يظهر في الصورة. الموجود فقط هو ما تركوه وراءهم: المقاس.

وهذا ما يجعل العمل قابلًا للقراءة على مستوى الحياة اليومية أيضاً.

كم مرة احتفظنا بكرسي صغير لطفل كبر ولم يعد يستخدمه؟ كم مرة وجدنا في بيت قديم كرسياً أكبر من الحاجة، لكنه ظل في مكانه لأنه ينتمي إلى شخص أو زمن؟ كم مرة جلسنا على كرسي كان يجلس عليه أب أو أم أو جد، فشعرنا أن المكان يحمل أكثر من وظيفة؟

الأشياء تكبر معنا بطريقة مختلفة بعضها يكبر بالاستعمال، وبعضها يكبر بالذاكرة.

والخطيب يلتقط هذه العلاقة دون أن يقع في المباشرة.

من الناحية التشكيلية، يلفت النظر أن الكراسي مصاغة ببنية هندسية واضحة تقوم على الخطوط المستقيمة والسطوح المستقرة والتكوين البسيط. هذه الهندسية تمنح العمل صرامة بصرية لكنها في الوقت نفسه تجعل الفارق بين الأحجام أكثر وضوحًا. فحين تتكرر البنية نفسها بأحجام مختلفة، يصبح التغير في المقياس هو الحدث التشكيلي الأساسي.

وهنا تحديداً تظهر براعة الفكرة.

الفنان لم يحتج إلى تغيير شكل الكرسي جذرياً كي يحدث اختلافًا اكتفى بتغيير الحجم، فتحول التكرار إلى معنى.

وهذا من أهم عناصر التجربة: التكرار لا يعيد الشيء نفسه، بل يكشف الفارق.

الكرسي الأول ليس نسخة من الثاني والثاني ليس مجرد نسخة مصغرة أو مكبرة من الثالث لأن كل واحد منها يكتسب معناه من موقعه داخل السلسلة. إنها علاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجزء والكل، وبين البداية والنهاية.

وإذا كان الكرسي الكبير يبدو أكثر حضوراً وسيطرة، فإن ذلك يمكن أن يقودنا إلى معنى آخر يتصل بالحياة الاجتماعية. فكلما كبر الإنسان، كبرت المساحة التي يُطلب منه أن يشغلها داخل المجتمع. الطفل يحتاج إلى من يحمله، بينما يُطلب من البالغ أن يحمل مسؤولياته ومسؤوليات الآخرين. لذلك يمكن أن يصبح ارتفاع الكرسي واتساعه استعارة للانتقال من مرحلة الأخذ إلى مرحلة العطاء.

وهنا لا يعود النمو امتيازاً فقط، بل يصبح مسؤولية.

إننا نكبر، نعم، لكن كِبرنا لا يقاس بالجسد وحده؛ يقاس بما نحمله من أعباء، وما نتركه خلفنا، وما نمنحه لمن يأتي بعدنا.

وهذه النقطة تمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود التكوين.

فالكرسي الصغير ليس أقل قيمة من الكبير، كما أن الطفولة ليست مرحلة ناقصة. كل مرحلة تؤدي دورها في بناء الإنسان. الصغير يحمل البداية، والمتوسط يحمل التحول، والكبير يحمل الامتداد. ومن دون البداية لا يكون هناك اكتمال، ومن دون التحول لا يصل الإنسان إلى النضج.

لهذا يمكن النظر إلى العمل حواراً بين المراحل، لا مفاضلة بينها.

وإذا انتقلنا من الإنسان إلى الحضارة، نجد المعنى أكثر اتساعاً . فالحضارات أيضاً لا تولد مكتملة تبدأ صغيرة، ثم تنمو، ثم تبلغ ذروة ما، ثم تدخل في تحولات جديدة. وما يصل إلينا من الحضارات القديمة ليس إلا ما استطاع الزمن أن يتركه لنا. وهنا يبدو التدرج في الكراسي وكأنه يحاكي منطق الحضارة: نشأة، نمو، تراكم، انتقال.

إن الحضارة، مثل الإنسان، لا تعيش في شكل واحد.

وما يميز تجربة أمير الخطيب أنه لا يستدعي الحضارة من خلال زخارف تاريخية أو رموز جاهزة، وإنما يقترب منها من باب أكثر ذكاءً:

باب الحياة اليومية. فالكرسي الذي نجلس عليه اليوم له أسلاف بعيدون في تاريخ الإنسان، وما نراه بسيطاً الآن هو نتيجة رحلة طويلة من تطور الحاجة والتقنية والعلاقات الاجتماعية.

بهذا المعنى، تصبح الكراسي الثلاثة أشبه بثلاث محطات في تاريخ طويل.

وما بين الكرسي الصغير والكبير ليست المسافة المادية وحدها إنها المسافة التي قطعها الإنسان كي يصبح ما هو عليه.

وربما هنا تكمن شاعرية العمل: أنه يجعلنا نرى أعمارنا من دون أن يعرض وجوهنا.

لا طفل في العمل، ولا شاب، ولا رجل، ولا امرأة.

لكنهم جميعًا حاضرون.

حاضرون في المقاس.

حاضرون في الارتفاع.

حاضرون في المسافة بين كرسي وآخر.

وهذا الحضور غير المرئي يمنح العمل قوته لأنه لا يفرض تفسيراً واحداً بل يفتح مجالاً للتجربة الشخصية. قد يرى أحدنا طفولته في الكرسي الصغير، وقد يرى آخر أبناءه، وقد يرى ثالثًا أجيال عائلته، بينما يمكن أن يرى رابع مسار حضارة بأكملها.

إنها تجربة تسمح للمتلقي بأن يضع ذاكرته الخاصة داخل الفراغ الذي صنعه الفنان.

وهنا ينتقل العمل من كونه تجربة شخصية للفنان إلى فضاء مشترك بين الفنان والمتلقي.

لقد جعل أمير الخطيب من الكرسي لغةً لقراءة الإنسان، وجعل من اختلاف الأحجام إيقاعًا بصريًا يشبه نبض الحياة. فالإنسان يبدأ صغيرًا، ثم يكبر، ثم يترك مكانه لغيره. والكرسي يبقى، أو يتغير، أو ينتقل إلى يد أخرى، لكن الدورة تستمر.

في النهاية، لا تبدو هذه الكراسي الثلاثة كقطع أثاث مصطفة أمامنا، بل كأنها ثلاثة أعمار تقف جنبًا إلى جنب.

الأول يقول: كنتُ هنا في البداية.

والثاني يقول: أنا في الطريق.

والثالث يقول: وصلتُ… لكن الطريق سيبدأ من جديد مع من يأتي بعدي.

وهنا تبلغ تجربة أمير الخطيب ذروتها إذ يحوّل شيئاً شديد البساطة إلى سؤال كبير:

هل نحن الذين نستخدم الأشياء، أم أن الأشياء هي التي تحفظ مراحلنا بعد أن نعبرها؟

ربما لهذا لا يعود الكرسي في هذا العمل مكاناً للجلوس فقط، بل يصبح شاهداً على رحلة الإنسان من أصغر مقاس إلى أكبر معنى

رحلة تبدأ بجسد صغير، وتنتهي بأثرٍ يبقى في المكان، لتأتي أجيال أخرى وتجلس حيث جلسنا، وتبدأ الحكاية من جديد.

إنه كرسي يقيس العمر، ويقيس المجتمع ويقيس المسافة التي يقطعها الإنسان بين أن يكون فردًا صغيرًا في العالم، وأن يصبح جزءًا من ذاكرة أكبر منه.

 


مشاركة المقال :