الفنانة التشكيلية التونسية سهيلة عروس.. البحث عن الحضور في أثر الغياب

رحيم يوسف / بغداد

تشكل ثنائية الحضور والغياب هاجسًا كبيرًا لدى الفنانة سهيلة عروس، تلك الثنائية التي اشتغل عليها العديد من الفنانين. ومع أن ثمة حدًا فاصلًا بين الحضور والغياب بالمعنى، إلا أن ذلك الحد يختفي في تجربتها عبر عملية تبادل واضحة، ليشكل الغياب حضورًا والحضور غيابًا، عبر بحثها عن الأثر، فهي تدوّن ما تبقى لا ما كان.

ثمة الكثير من التجارب الفنية التي يميل أصحابها للعودة باتجاه الذاكرة، على اعتبار أنها جزء مهم وحيوي من تكويننا الذهني في واقعنا المعاش، لأن الذاكرة تشكل معينًا كبيرًا لما يمكن تجسيده فنيًا، مع أنها لا يمكن أن تشكل بديلًا عن الواقع المعاش، غير أن استدعاءها قد يمثل هروبًا مؤقتًا من واقع ضاغط يلقي بثقله على حياتنا، وذلك ليس نكوصًا بالمعنى النفسي، بل محاولة لاستدعاء الجمال بالضد من الواقع الضاغط. وذلك لا يأتي من فراغ، بل من إدراكنا لهذا الواقع وملابساته.

وبحسب موريس ميرلوبونتي: «إننا لا ندرك الحاضر منفصلًا عن ماضينا؛ فالذاكرة لا تقف خارج الإدراك لتضيف إليه معناها، وإنما تسكن في أفقه، وتمنح المرئي كثافته الشعورية والدلالية، من دون أن تلغي حضوره الآني».

من هنا، فإن عبث الطفولة قد يعود متجسدًا في تجربة الفنان، سواء أكان ذلك بوعي أم دون وعي منه، وهذا ما يبدو واضحًا في تجربة الفنانة سهيلة عروس، التي قال الناقد شمس الدين العوني: «تمثل اللوحة حيزًا من هاجسها الجمالي الذي سعت لقوله والإصرار عليه لتغدو طفلة عابثة بالألوان في براءة وانسياب كالأحلام تمامًا».

ومع أنها تعيش الحلم من خلال الواقع، إلا أنها تقف فنيًا بمسافة واحدة بينهما، وأعني في النقطة الفاصلة بين الواقع والحلم.

سهيلة التي صرحت بالقول: «إنني فنانة أعمل على التجريد واللون»، وأنا شخصيًا لا أظن بأن هذا القول ينطبق كليًا على تجربتها، ولا يمكن حصر تجربتها بمسار فني واحد، وأعني المسار التجريدي، لأن التجربة تشي بأكثر من ذلك. ففي سطوحها التصويرية ثمة انتقالات واضحة، لأنها تنتقل باستمرار بين التشخيص والتجريد وبالعكس، وهذا ملمح يكتسب أهمية كبيرة في اشتغالاتها الفنية. وهي تعمل عبر ذاكرة تستعيد من خلالها ما يتركه الإنسان من أثر في المكان، وهو ما يمكن الاستدلال عليه عبر الآراء التي تطلقها، لا بقصد التفسير لتجاربها، وإنما بغرض إلقاء نوع من الضوء الذي يمنح المتلقي بعض المفاتيح التي تساهم في فك مغاليق تجربتها.

وبهذا الصدد، تصرح الفنانة في مقابلة معها نشرت في وكالة JINHAGENCY: «تشكّلت علاقتي بالفن منذ الطفولة، كحاجة داخلية للتعبير، وتأثرت بوالدي الذي كان يرسم لي ويشجعني منذ الصغر، حتى أتاح لي الفن التجريدي حرية التعبير عن الإحساس والذاكرة والصمت بعيدًا عن الشكل المباشر عبر الألوان والأشكال المختلفة لأعبر عن الإنسان، الذاكرة، الصمت، البيئة، والعلاقة بين الكائن والطبيعة».

من هنا، فإنها تشعر بالحنين الجارف من أجل استعادة طفولة ذهبت دون رجعة، ولذلك فهي تنتقل بين الذاكرة والواقع، وبين الكائن وأثره في المكان. وهذا لا يتوافق مع ما صرحت عن اشتغالها على التجريد واللون فقط، كما أشرنا.

تتجلى في تجربتها قدراتها اللافتة في التعامل مع اللون، فهو يأتي قبل الشكل. وكأنها لا تبدأ من موضوع تريد رسمه، وإنما من حالة لونية تبحث من خلالها عن الموضوع. لذلك نجد في بعض السطوح بقايا شخصيات، وفي أخرى أشكالًا معمارية أو حيوانات أو مشاهد طبيعية، بينما تتحلل الصورة في سطوح أخرى إلى بقع وخطوط وحركات لونية يصعب معها تحديد المرجع الأول. وبذلك فإن الشكل يبقى خاضعًا للون، وعليه فإن التشخيصات التي نجدها لم تكن قصدية، بل تأتي من خلال التشكلات اللونية، وهي بذلك تلقي على عاتق المتلقي عملية البحث عن تلك المشخصات ليرسمها في مخيلته، ويتحول إلى مشارك في العملية الجمالية التي أمامه، من خلال وعيه وقدراته على التلقي. وتلك مسألة تخضع لتباين واسع بين متلقٍ وآخر، وهذا يزيد من عمق التجربة وأهميتها، لأنها وفق ذلك تثير سؤالًا ضمنيًا أو مجموعة من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة، فيتحول المتلقي إلى سائل ومجيب في ذات اللحظة.

ولهذا قلنا إن التجربة تقوم على المزاوجة بين الحضور والغياب، عبر الظهور والاختفاء. لأن الشيء لا يحضر مكتملًا، فهو يظهر ثم يتعرض للمحو، أو يظل معلقًا بين أن يكون شكلًا وأن يتحول إلى أثر.

في السطح الذي تظهر فيه المرأة بملابس حمراء، لا تدوّن شخصية مكتملة الملامح، فالوجه يكاد يذوب، والجسد يبدو كأنه يطفو فوق أرض غير مستقرة. أما في السطح الذي تظهر فيه مجموعة من الأشخاص والحيوانات تحت القمر، فنستعيد المشهد شيئًا من الحكاية القديمة أو الذاكرة الريفية، لكن الخطوط المحيطة بالشخوص تمنع المشهد من التحول إلى تسجيل واقعي. فنحن إذن أمام ذاكرة مشوشة أكثر منها منظرًا ذا ملامح محددة، وهنا يتم التأكد من أنها لا تستعيد الماضي كما كان، وإنما كيفية رسوخه في الذاكرة. فهي لا ترسم الذاكرة، وإنما ترسم الطريقة التي تتشوه بها الذاكرة وهي تحاول مقاومة النسيان.

في سطوحها يبرز الأثر بشكل متكرر، فهو يظهر في الخدوش، والمساحات الممسوحة، وتراكب الطبقات، والخطوط التي تبدو أحيانًا كأنها كتابة غير مكتملة. حتى عندما يكون الشكل واضحًا، فإن سطحه لا يبقى مستقرًا؛ هناك دائمًا ما يخدشه أو يغطيه أو يمحو جزءًا منه. والأثر هنا ليس تقنية سطحية فحسب، وإنما يحمل معنى الزمن. فالذاكرة لا تحتفظ بالأشياء كاملة، وإنما تحتفظ بشظاياها. لذلك تبدو بعض سطوحها كأنها حفريات بصرية: شيء كان موجودًا، ثم غاب، ولم يبق منه سوى لون أو خط أو كتلة.

من هنا يمكننا فهم اهتمامها الأخير بعنوان «آثار»، باعتباره امتدادًا حقيقيًا لما يظهر في الصور، لا مجرد عنوان معرض؛ فقد ربطت الفنانة المشروع بالحنين إلى الطفولة وأرض الأجداد.

وبالعودة إلى اللون، فإن اللون ليس تابعًا للموضوع، بل حاملًا للانفعال، لذلك تتجاور الألوان بكثافة شديدة. لكنها لا تعمل وفق وظيفة وصفية، لأن السماء ليست زرقاء حتميًا، والأرض كذلك ليست أرضًا، وحتى الشخصيات يمكن أن تتحول إلى كتلة من الألوان المختلفة، كالأحمر والبنفسجي. كما تمنح الألوان ميزات مختلفة للسطوح؛ فالأصفر المتكرر في بعض السطوح يمنحها حرارة وضوءًا، بينما الأزرق يفتح فضاءً أكثر للتأمل، وتأتي الألوان الداكنة لتقطع هذا الانفتاح وتعيد السطح إلى شيء من الغموض. وكأن الفنانة تبني مشهدها من الصراع بين الضوء والعتمة، لا بين الألوان المتجاورة فحسب. ولهذا تظهر مساحات شديدة الحيوية إلى جانب سطوح هادئة ومطفأة، ولهذا تتحرك الألوان مع تبدلات الذاكرة والمزاج.

في عدد من السطوح يظهر المشخص، لكنه نادرًا ما يكون بورتريهًا بالمعنى التقليدي. الوجه في بعض السطوح يتحول إلى بقعة، والجسد إلى خطوط، والشخصية إلى كتلة لونية. ولذلك فهي تبتعد عن سؤال: من هذا؟ لتقترب من سؤال يتعلق بجوهر التجربة، وهو: ماذا يتبقى من الإنسان عندما تفقد الذاكرة تفاصيله؟ ولهذا لا تدون ملامح دقيقة لنتبين أن هذه امرأة أو هذا رجل أو طفل. يكفينا لون الثوب أو هيئة الجسد أو حركة الخط. وهذا يجعل الإنسان في التجربة علامة ذاكرية أكثر منه شخصية مجسدة، وهو ما يؤكد ذهابنا بالرأي بكونها تجسد ثنائية الحضور والغياب عبر اقتفاء الأثر.

إن وقوفها في نقطة فاصلة بين التجريد والتشخيص يعد إيجابيًا بالنسبة لها، لأنه يمنحها حرية أكبر، فهي تستطيع أن تبدأ من امرأة ثم تنتهي إلى كتلة لونية، أو من مشهد طبيعي وتحوله إلى بناء شبه تجريدي، مع أن بعض السطوح تبدو متماسكة في انتقالها من الشكل إلى التجريد، بينما تبدو أخرى أقرب إلى الانفعال اللوني الحر، بحيث يصبح الشكل مجرد ذريعة للون. وعليه، فإن عليها حسم عملية تنظيم العلاقة بين الحركة اللونية والبناء الشكلي.

وأخيرًا، فإن سهيلة عروس هي فنانة تشكيلية تونسية من جزيرة قرقنة، محترفة وعضوة بالاتحاد التونسي للفنانين التشكيليين. تمتلك مسارًا فنيًا يمتد عبر أكثر من 90 معرضًا ومشاركة فنية في تونس وخارجها.

تلقت تكوينًا فنيًا أكاديميًا في بولندا وسلوفاكيا، وتعمل أساسًا بالأكريليك، إلى جانب الزيت والوسائط المتعددة والمعاجين والخامات. تقوم تجربتها على التجريد والتعبير والتجريد التشخيصي، وتركز على موضوعات الذاكرة والمكان والبحر والتراث والهوية والطبيعة والحب والسلام والحرية، من خلال اللون والملمس والحركة والعمق.

شاركت في معارض وتظاهرات فنية دولية في بولندا، وسلوفاكيا، والمجر، وتركيا، والمغرب، والجزائر، ومصر، وفرنسا، وكوت ديفوار، وألمانيا، والمملكة المتحدة/ويلز، كما أقامت معارض شخصية في عدد من الأروقة التونسية، من بينها المحرس وقرقنة وسيدي بوسعيد وبن عروس.

حصلت على عدد من التكريمات، منها الاستفادة من صندوق التشجيع على الإبداع الفني، واقتناء أعمال من قبل وزارة الشؤون الثقافية، إضافة إلى شهادات وميداليات وتكريمات محلية ودولية.

إلى جانب نشاطها الفني، تولت تنظيم وتنسيق عدد من التظاهرات الفنية والثقافية الدولية في تونس والجزائر، من بينها «العالم يرسم قرقنة» 2025، وتظاهرات حول الهجرة والتعايش السلمي، والفن والثقافة بمشاركة فنانين من دول مختلفة.

المجالات الفنية: أكريليك، زيت، وسائط متعددة، معاجين وخامات، تجريد، تعبير تجريدي، تجريد تشخيصي.


مشاركة المقال :