من يتكلم حين يعود الغائبون؟ قراءة في كتاب “شيء يذكرني بي” لعبد السلام العطاري

مــحــمــد الــكــلابـــي

تبدأ الخسارات الإنسانية عادة دون جلبة؛ ينصرف الناس إلى شؤونهم العادية بينما تتغير ملامح الطرقات وتذوب الوجوه التي كانت تؤثث الأيام. وأحسب أن المرء، في غمرة هذا التدفق الصامت، يجد نفسه مدفوعاً إلى التساؤل: من يبقى بعد المحو؟

ولعمري إن الإنسان يموت مرة حين يغادر جسده العالم، ويناله فناء آخر حين يفقد اسمه القدرة على إيقاظ أحد. وإذا كان الرحيل الأول صريحاً، تحفه الطقوس والوجوه التي تعرف كيف تجتمع حوله، فإن الغياب الثاني يتسلل ببطء؛ يقتات على نداء يقلّ في الأفواه، وعلى ملامح كانت مألوفة ثم صارت تحتاج إلى من يستدعيها، وعلى مكان كان حياً ثم تحول إلى أثر ينتظر لغةً تحفظه. هذا الأفول لا يقع فجأة، ولا يترك وراءه صراخاً؛ إنه يولد حين ينشغل البشر، وتتبدل البيوت، وتبرد الحارات، ويصير الذين صنعوا دفء الحياة اليومية عُرضة للمرور في الذاكرة بلا حارس.

وتداركاً لهذا التلاشي، يجمع الكاتب الفلسطيني عبد السلام العطاري في كتابه “شيء يذكرني بي” ما تناثر من الذاكرة؛ وجهاً عائلياً، واسماً شعبياً، وصوتاً وطنياً، وتفصيلاً صغيراً علق بالجسد حتى صار طريقاً إلى الذات، متجاوزاً النظر إلى الماضي بوصفه ألبوم صور قديمة أو مساحة بكاء سهلة. ومن هذه المواد الهادئة تبني السطور أخلاقاً وفية لمن لا تملك حيواتهم ضجيجاً كافياً كي تدافع عن نفسها.

في حديثه عن الحجة خولة، يلتفت العطاري إلى ذلك الحضور المنزلي الذي يعيش غالباً في ظل العائلة؛ امرأة عبرت بعيداً عن صخب التاريخ الرسمي وجفاف السجلات الإدارية، لتترك في البيت أثراً أعمق من الظهور العابر حين يكتب عنها:

“الحجة خولة، ليست مجرد امرأة من العائلة، أو أنها أخذت من العمر ما أخذته، وحيدة لم تعرف كيف تلد النساء، ولكنها تعرف تماماً كيف تربي الأمهات بحنية أطفالهن”.

تنهض العبارة كلها من خاتمتها؛ إذ يتسع معنى الأمومة هنا ليتجاوز حدود الولادة البيولوجية نحو رعاية الحنان نفسه في أولئك الذين يوزعونه على غيرهم. فالأم التي ترعى تحتاج بدورها إلى من يحرس قدرتها على العطاء، ويعيد إليها شيئاً من طفولتها حين تستهلكها أعباء البيت، والحجة خولة تقف في هذا الموضع الدقيق كينبوع أول يحمي الماء قبل وصوله للآخرين.

وهنا نلمح وجهاً لعمل اجتماعي خفي يعيش خلف حجب المهام والإنجازات الظاهرة؛ أفعال صغيرة تصون الحياة من القسوة، كالإصغاء، والتهدئة، والابتسامة، والترميم الصامت لما تكسره الأيام.

تمثل الحجة خولة هذه الطبقة المستورة من العمران العائلي، وتأتي قيمتها من أثرها في قدرة الآخرين على الاحتمال، لتنضم إلى ذاكرة البيت كقوة حفظت شرط الحنان داخله.

ويتابع العطاري رصده في السطور ذاتها قائلاً:

“رحم الله الحجة خولة التي تركت لنا ذاكرة وجهها الأبيض المبتسم الضحوك، وتركت لنا ذاكرة الحارة العتيقة الآيلة إلى النص كي نذكرها ونتذكرها”.

ومن الجلي أن الوجه هنا يفتح نافذة مباشرة على المكان؛ فالراحلة تعود ومعها جغرافيا الأزقة التي جعلت معناها الإنساني ممكناً. وتكتسب عبارة “الحارة العتيقة الآيلة إلى النص” دلالتها الكاملة من هذا التلازم، حيث جغرافيا الأبواب والنداءات والجيرة التي عجزت عن البقاء في الواقع كما كانت، التجأت إلى السطور لتجد جسداً لغوياً بديلاً، كأن الكلمات أصبحت مأواها الأخير.

يتجاور الكائن والموضع من غير انفصال؛ فالمرأة تحفظ الحنان، والأزقة تصون القرب، إذ إن البيت يدفأ بوجود نظام اجتماعي يسمح للبشر بأن يعرفوا بعضهم من الداخل: جار يطمئن، باب يُطرق، صوت يُعرف قبل أن يُرى صاحبه، وملامح تتراكم حتى تصير هي المكان نفسه.

حين تلتجئ الحارة إلى المتن، يأخذ العمل وظيفة أخلاقية واضحة؛ حراسة طريقة عيش كاملة كانت تجعل هذه الرعاية ممكنة، لحماية الكيان الإنساني والاجتماعي معاً.

يظهر أن اللفظ ذاته يتعرض لخطر أفول من نوع آخر، حيث يفتتح المؤلف حديثه في نص يحمل عنوان “السامبو؛ الاسم المنسي” من واقعة نألفها في البلدات؛ خبر وفاة، واسم رسمي يمرّ عابراً في السمع، ثم لقبٌ شعبي يعيد الراحل إلى الحياة الذاكراتية حين يقول:

“لم أنتبه للاسم الذي يعرفه ربما القلة القليلة، إلا عندما وضع بين قوسين “السامبو””.

تكشف الجملة، لمن يتأملها، أن النداءات تختلف في أثرها؛ فالتعريف الإداري يمنح معلومة باردة، في حين يتكفل اللقب الشعبي باستعادة الهيئة كاملة بنبرتها، وحركتها، ومكانها في البلدة، وطفولة الذين عاصروها. إن القوسين هنا يشبهان عتبة عودة حقيقية، إذ رجع الرجل محمولاً على اللقب الشعبي المتردد بين شفاه الناس، وحاملاً وجدانهم اليومي.

ويتحول اللقب الشعبي في هذا السياق إلى جهاز قرب اجتماعي؛ فالجماعة تتأمل أبناءها عبر النداءات الحية التي تبتكرها لهم وترددها حتى تذوب في روح المكان. وعرابة حين تنطق “السامبو”، فهي تفتح أرشيفاً شفهياً كاملاً من الشوارع، والبيادر، ونظرات الأطفال، وصوت البائع المتجول الذي استحال أثراً ثابتاً في وجدان البلدة، صائناً بذلك كل ما تعجز السجلات الرسمية عن حمله.

ويضيف العطاري في النص ذاته مسترسلاً:

“رحل “السامبو”. رحل اسم من أسماء عرابة النقية التقية التي تستحق كل ذكر حسن وإن غافلته الناس والذاكرة وأنكرته انشغالاتنا الكاذبة”.

يبدو أن الفقد هنا يصيب الاسم ذاته؛ فعبارة “رحل اسم من أسماء عرابة” تفيد خسارة البلدة قطعةً من لسانها اليومي، متجاوزةً فكرة سقوط فرد من التعداد السكاني. فاللقب الشعبي يتغذى على شبكة المناداة والاعتياد والألفة، وعندما تغافله الذاكرة وتطويه الاهتمامات الكاذبة، تطال الخسارة المجموعة التي امتلكت يوماً القدرة على منحه موضعه، ليغدو الانشغال مظهرًا من مظاهر الخيانة الهادئة للأثر، وتصل المقولة بعد ذلك إلى جرحها الأوسع:

“حتى غاب الاسم وغبنا نحن في أزقة الحياة وتيهات التنقل وسرحات البحث عن البلاد المنهوبة منذ ذاكرة الشادر الأبيض”.

وتنقل هذه الكلمات المسألة من حيز الشخص إلى فضاء المجموعة؛ إذ يتلازم أفول الاسم مع تشتت الـ “نحن”. فاللقب القديم كان يمسك كينونة الجماعة، وعند غيابه يتضح انكسار المجموعة وتوزعها في تيهات التنقل والبحث عن البلاد المنهوبة؛ فبضياع هذا النداء الحميم المتجذر في الوجدان المشترك، تنفصل الأيام عن ملامحها الأولى وتفقد الألفة مستندها الأخير.

في نص يحمل عنوان “كان اسمه حمد”، ينتقل السرد من الذاكرة اليومية إلى آفاق الحلم الوطني، حيث يكتب العطاري:

“وكان اسمه “حمد”، وكان لا يعرف من البلاد إلا حبها”.

وتتحول العاطفة في هذه الصياغة إلى أداة معرفية؛ فحمد يتلمس أرضه من جهة الوجدان، مستغنياً عن الخرائط والخطابات الجاهزة والتحليلات السياسية، وهي بساطة جارحة تبين كيف تسكن البلاد في وعي الكائن كعلاقة بدئية أولى قبل أن تصبح موضوعاً للشرح؛ أن يعرف الكائن من البلاد حبها فقط يعني أن تنبت الأرض في داخله قبل أن تكون فكرة أمامه.

ويتابع المؤلف هذا الرصد قائلاً:

“حمد يوسف عارضة، الذي لا يعرف غير أننا نبحث عن الخلاص والحرية”.

تختزل كلمة “نبحث” جيلاً كاملاً وزمناً ضاغطاً لا يجد مخرجاً؛ فالحب عند حمد يغادر العاطفة المعلّقة ليصير معرفة عملية بما تفتقده البلاد، وتتجسد في وجهه بساطة لا تحتاج إلى خطاب. وتبلغ الصرخة ذروتها الفاجعة في قوله:

“ويصرخ بملء الحب اسم البلاد، حتى استجابت له البلاد، وشيعناه في الرابع والعشرين من تموز العام 1989”.

تأتي الاستجابة مثقلة بالفجيعة؛ فالصوت يقود مباشرة إلى التشييع، وعبارة “بملء الحب” تمنح الصرخة طاقة روحية تتجاوز جفاف السياسة، ليتحول اسم البلاد إلى مصير حي. هنا يتقاطع حمد مع السامبو في وظيفة التسمية؛ فالسامبو يعيد البلدة إلى لسانها الشعبي، وحمد يرفع الوطن إلى ذروته الوجدانية، ويتضح أن الاسم قد يتسع حتى يحمل ما هو أكبر من صاحبه.

بعد ملامح الوجوه والنداءات، يلتفت السرد إلى العناصر المهملة بوصفها المحرك الفعلي لذاكرةٍ تجري في الحواس؛ حيث تغادر شجرة التوت، وقاع الدار، ودرب المدرسة، وإبريق الشاي، والبيادر مربع الزينة الريفية لتتحول إلى أرشيف محفوظ؛ فالمرء يتذكر ببدنه حين يشم الأنف الفقد، وتقيس القدم المسافة، وتلمس اليد الاعتياد، بينما تصون الأذن ما تعجز عنه الأوراق الرسمية والوثائق الصماء.

​فرائحة النعنع تعيد زمناً كاملاً مستغنية عن الشروح، ودرب المدرسة يستعيد طفولة الخطى الأولى، مثلما يستحضر إبريق الشاي هيئة الاجتماع اليومي ومن كان يتحلق حوله لا السائل نفسه. وفي جوف الدار تمتزج أصوات العائلة بترتيب أجسادها، وتلم البيادر تعب المواسم؛ لتتحول هذه المتروكات بفعل طول العشرة إلى مفاتيح داخلية للنفس، ويضفي عليها الاعتياد صفة الوجدان ويصيّرها حاملةً لروح من عاش معها.

من هذا التدفق، يكتمل معمار العنوان “شيء يذكرني بي” كأثر طبيعي؛ فالأشياء تعيد المرء إلى نفسه لكونها حَفِظت يوماً كينونته الموزعة في زوايا العالم وملامحه، ليتجاوز الفقد أبعاده الجغرافية العابرة ويغدو تهشيماً حقيقياً لمرايا النفس الداخلية؛ فمع غياب الدرب يندثر مسار قديم للمشي في الحياة، وبرحيل الرائحة أو انطفاء صوت الأمهات، يضيع ممرّ آمن للإياب إلى الذات.

وإذ ينجح العطاري في استنقاذ هذه الآثار، فإن عمله يفتح مواجهة مع أفعال الماضي الكثيفة التي تحكم حركة الشواهد:

“وكان اسمه “حمد””، و”السامبو بائع نقي متجول كان في طفولتنا”، و”وظلت الحجة خولة التي سكنت في ظل بيت عامر بالأهل والأقارب”.

تخرج كلمات مثل “كان” و”ظلّت” و”سكنت” من وظيفتها النحوية لتتحول إلى زمن حارس يمسك حمداً والسامبو والحجة خولة قبل سقوطهم في الغياب الخام، ويمنحهم مقاماً سردياً يتيح للقارئ أن يراهم. غير أن هذا المقام يصنع مسافة شفافة تفصلنا عنهم؛ إننا أمام رؤية تحرمنا اللمس، ووضوح يمنع العودة، كأنهم يظهرون خلف زجاج صقيل يزيدهم صفاءً وعصياناً على الاستعادة.

تلمس السطور هنا ما يشبه منطق الصورة في استعادتها للراحلين. وهذا يذكرني بما كتبه رولان بارت في كتابه “الغرفة المضيئة” عن الصورة الفوتوغرافية بوصفها يقيناً وحيداً لا تملك غيره: أن الذي فيها “كان” هناك فعلاً، حتى لو لم يعد كذلك الآن. فاللقطة تضعنا أمام أثر صامت لجسد عبر العالم ذات يوم، وبالمثل تصبح “كان” عند العطاري برهاناً لغوياً يثبت أن هذه الأسماء مرت بالأرض وتركت ما يكفي لاستدعائها.

واللافت أن استحضار الغائبين بالكتابة يمنح الوعي حرية تتجاوز جمود العدسة؛ فالنص يعيد بناء الملامح محملةً بوجدان من يتذكرها، ليقترب المشهد كله من طقس الحلم الذي يظهر فيه الراحل بالهيئة التي تركتها ذكراه في الآخرين، ولربما كان الغائب سيختار لنفسه مظهراً مغايراً لو أتيح له الكلام. وإذا كان الحلم معفى من التزامات الإنصاف، فإن السطور تدخل هنا مأزقاً أخلاقياً؛ لكونها تحاول إقامة العدالة مستندةً إلى خياراتها الخاصة وحدها.

يتجلى هذا القصور اللغوي على نحوٍ أشد في صياغة الغياب الاجتماعي نفسه، حيث يطالعنا المتن بعبارتين مفتاحيتين:

“غاب الاسم وغبنا نحن في أزقة الحياة وتيهات التنقل” و”الحارة العتيقة الآيلة إلى النص”.

تشير السطور هنا إلى خسارة واسعة الأركان؛ اسم يغيب، ومجموعة تتوه، وأزقة تلتجئ إلى الورق. نجح العطاري في رسم الندبة بدقة جعلتنا نستشعر مكان الجرح، غير أن النص يتوقف غالباً عند الندبة، ولا يمضي بالقدر نفسه نحو السكين التي أحدثتها؛ ونعني بها قوى التحولات الاجتماعية، والغربة، والتبدلات الاقتصادية والسياسية، وتغير القرية، وصعود المدينة، وتآكل أنظمة القرب المشترك، وانكسار أشكال العيش القديمة.

إن حفظ ملامح الندبة يختلف تماماً عن تشريح نظامها الاجتماعي؛ فالجرح يطلب الوفاء والتوثيق، بينما تقتضي السكين المساءلة والنظر.

يحسن المتن ممارسة الوفاء والتعلق بالأثر، ويميل إليهما بوضوح يفوق اهتمامه بمحاسبة الفاعل الفعلي. يرى القارئ أفول الاسم، وتيه الـ “نحن”، وتحول الأزقة إلى لغة مكتوبة، ثم يجد نفسه أمام أسئلة معلقة: ما الذي ساق المكان إلى المصير اللغوي بعد أن كان مأوى حياً؟ وما الذي أحوج اللقب الشعبي إلى قوسين كي يستعيد صوته؟

ولا يقف هذا التساؤل عند أسباب الغياب، بل يمتد ليشمل فعل الإنصاف ذاته؛ فالشواهد التي تنتشل الغائبين تكشف أن عودتهم تمر عبر صوت الكاتب: هو الذي يترحم حين يقول:

“رحم الله الحجة خولة”، وهو الذي ينتبه في قوله: “لم أنتبه للاسم…”، وهو الذي يروي مستهلاً: “وكان اسمه حمد…”.

بهذا التركيب، تظل الحجة خولة صامتة، ويعجز السامبو عن شرح صِلته بلقبه، ويغيب لسان حمد في التعبير عن وجدانه. هنا تتأسس عدالة ذاكراتية من طرف واحد؛ تمنح المنسيين حياة ثانية، وتترك السؤال جارحاً: هل يكفي أن يعود الراحل إلى الوعي إذا كان لا يملك لساناً سوى صوت من تذكره؟

وتصل هذه الألقاب والملامح والأشياء إلى وعينا في النهاية كوديعة قلقة تفقدنا براءتنا الأولى؛ فما عبر إلى السطور يستحيل تركه للمحو كما كان حاله قبل القراءة، غير أننا نستلم أثراً محفوظاً في الماضي، محمولاً بنبرة واحدة، ومفتوحاً على قوى اجتماعية لم تُسأل عن فعلها. تكمن طاقة “شيء يذكرني بي” في صيرورة المنسيين بفضله أقل وحدة، وجعلنا أقل قدرة على الادعاء بأن الغياب شأن الذين غابوا وحدهم.

يضع العمل أمامنا مسؤولية صعبة؛ أن نحرس أثراً نعرف أنه ناقص، ونقف بترقب أمام كل ما آثر النص صمته عنه ولم يقله بعد.

 

 


مشاركة المقال :