الفلسفة الحضارية: إطار كلي ونظريات فرعية / محمد عبد الجبار الشبوط

محمد عبد الجبار الشبوط

نشأت الفلسفة الحضارية من سؤال مركزي يتعلق بالإنسان والمجتمع: كيف يستطيع المجتمع أن ينتجذاته بصورة ترتقي بالإنسان وتقوده إلى الحياة الطيبة؟ ولم يكن المقصود منذ البداية تقديم برنامجسياسي محدود، أو اقتراح نموذج جديد للدولة فحسب، وإنما بناء رؤية فلسفية كلية تنظر في الإنسانوالأرض والزمن والعلم والعمل والقيم، وتدرس كيفية تفاعلها في إنتاج الحضارة، والعوامل التي تدفعالمجتمع إلى الارتقاء أو تقوده إلى التدهور والانهيار.

وقد ارتبط اسم الفلسفة الحضارية، في مرحلة من مراحل تطورها، بمفهوم «الدولة الحضارية الحديثة»،حتى بدا أحيانًا أن الدولة الحضارية هي المشروع كله. لكن تطور البحث كشف أن الدولة الحضاريةالحديثة ليست سوى النظرية السياسية المتفرعة من إطار فلسفي أوسع؛ فالفلسفة الحضارية تسبقالدولة من حيث المستوى النظري، لأنها تبحث في الحضارة والإنسان والمجتمع والتاريخ والقيم والغاية،ثم تنتج في ضوء ذلك تصورها للدولة والاقتصاد والتعليم والقانون وبقية مجالات الحياة.

وتعرّف الفلسفة الحضارية الحضارة بأنها عملية الارتقاء المتكامل في الإنسان والمجتمع باتجاه الحياةالطيبة. والحضارة، بهذا المعنى، ليست مجرد الأبنية والمدن والتقنيات والثروات، ولا اسمًا لمرحلةتاريخية مكتملة، وإنما حركة مستمرة يتغير فيها الإنسان والمجتمع من خلال العلم والعمل والقيموالمؤسسات. ولهذا يمكن أن يمتلك مجتمع درجةً عاليةً من التقدم التقني أو العسكري، لكنه لا يحققارتقاءً حضاريًا متكاملًا إذا اقترن ذلك بالاستبداد والظلم وإهدار الكرامة واتساع الفقر والتفاوت.

وتقوم الحركة الحضارية على المركب الحضاري الذي يتكون من الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل. فالإنسان هو الفاعل الذي يدرك الحاجة ويصوغ الفكرة ويكوّن الإرادة ويباشر العمل، والأرض تمثلالمجال والموارد والإمكانات، والزمن يتيح الحفظ والتعلم والانتقال بين الأجيال، والعلم يكشف الواقعوطرائق التعامل معه، والعمل يحول الإمكان والمعرفة إلى أثر ومنجز. أما القيم فلا تمثل عنصرًا سادسًايضاف إلى هذه العناصر، بل توجه تفاعلها وتحدد وجهة الحركة؛ فالعلم والعمل والقوة يمكن أنتستخدم في البناء أو التدمير، بحسب القيم التي تحكمها والغايات التي تتجه إليها.

وتضع الفلسفة الحضارية الحياة الطيبة غايةً نهائيةً لهذه الحركة ومعيارًا للحكم عليها. وقد صيغتالحياة الطيبة في بعدين متكاملين: الإيمان والعمل الصالح طريق إلى الحياة الطيبة، ووفرة الإنتاجوعدالة التوزيع قاعدتها الاقتصادية والاجتماعية. فالإيمان يمنح الإنسان الرؤية والمعنى والمسؤولية،والعمل الصالح يحول القيمة إلى أثر، ووفرة الإنتاج توفر حاجات الصحة والتعليم والسكن والأمنوالثقافة، وعدالة التوزيع تحول الوفرة من امتياز تحتكره أقلية إلى قدرة اجتماعية عامة.

ولا تختزل الحياة الطيبة في الثروة أو الاستهلاك أو الشعور النفسي بالسعادة، بل تشمل الكرامة والحريةوالعدل والأمن والصحة والمعرفة والعمل والعلاقات الإنسانية والمعنى الروحي، في ظل مؤسساتتحفظ هذه الشروط وتنقلها إلى الأجيال اللاحقة. ولذلك لا يُقاس الاتجاه الحضاري بحجم ما يملكهالمجتمع فقط، وإنما بما يفعله بما يملك، وبطريقة إنتاج الثروة وتوزيعها، وبمقدار ما تزيد قدراته من غيرأن تهدر الإنسان أو البيئة أو حقوق المستقبل.

وقد أوضح العمل على كتاب «المراكمة الحضارية: دراسة في إنتاج المجتمع لذاته» الطبيعة الحقيقيةللفلسفة الحضارية بوصفها إطارًا كليًا مولِّدًا للنظريات. فالمجتمع ينتج ذاته بصورة مستمرة من خلالالأسرة والتعليم والثقافة والدين والاقتصاد والدولة، وينتج القيم والمعارف والعلاقات والممارساتوالمؤسسات. لكنه لا ينتج العناصر الإيجابية وحدها؛ إذ قد يعيد إنتاج الظلم والجهل والفساد والخوفوالتعصب إلى جانب العلم والعمل والتعاون. ومن هنا وجب التمييز بين إنتاج المجتمع لذاته بوصفهالعملية الكلية، والمراكمة الحضارية بوصفها الإضافة الإيجابية التي تقع داخل هذه العملية.

وقد عُرّفت المراكمة الحضارية بأنها العملية التاريخية التي يضيف فيها المجتمع إلى ذاته قيمًا ومعارفوخبرات وأعمالًا وعلاقات وممارسات ومؤسسات ومنجزات، في أثناء عملية إنتاجه المستمر لذاته. وتصبح هذه الإضافات حضاريةً حين تزيد قدرة المجتمع على الارتقاء وتحقيق الحياة الطيبة. أما مايتكاثر من اختلالات فلا يسمى «مراكمةً سلبية»، حفاظًا على الحمولة الإيجابية لمفهوم المراكمة، بليندرج تحت مفهوم «التدهور الحضاري».

ويتخذ التدهور صورًا متعددة؛ فقد يكون تآكلًا بطيئًا للقيم والثقة والمعرفة والخبرة والمؤسسات، أوانتكاسًا ينتقل فيه المجتمع من مسار الارتقاء إلى التراجع، أو انقطاعًا تتعطل فيه عملية انتقال الرصيدبين الأجيال والمراحل، أو انهيارًا حضاريًا يفقد فيه المجتمع القدرة على حفظ ذاته وإنتاجها بوصفه أمةًتاريخيةً فاعلة. ولا يعني انهيار الأمة بالضرورة فناء أفرادها أو اختفاء شعبها جسديًا، بل قد يبقى السكانوتبقى بعض اللغة والعادات، بينما تزول قدرتهم على العمل بوصفهم ذاتًا تاريخيةً موحدة.

ومن خلال هذه النتائج اتضح أن الفلسفة الحضارية ليست نظريةً واحدة، وإنما منظومة فلسفية تتفرعمنها طائفتان من النظريات. تتمثل الطائفة الأولى في النظريات التأسيسية العابرة للمجالات، التي تفسربنية الحضارة وحركتها واستمرارها وتحولها. وتتمثل الطائفة الثانية في النظريات المجالّية التي تعيد بناءالسياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والقانون والثقافة والإعلام وغيرها في ضوء الرؤية الحضاريةوغايتها.

وتندرج نظرية المركب الحضاري ضمن النظريات التأسيسية؛ لأنها تشرح العناصر التي تقوم عليها الحركةالحضارية والعلاقات التي تصل بينها. وتندرج نظرية الحركة الحضارية في المستوى نفسه؛ إذ تفسرانتقال الإنسان من الحاجة والنزوع إلى الفكر والإرادة والعمل والأثر. كما تنتمي إلى هذا المستوى نظريةالأطوار الحضارية التي تدرس المراحل التي تمر بها المجتمعات، ونظرية المراكمة الحضارية التي تفسركيف تحفظ المجتمعات منجزاتها وتدمجها وتنقلها وتضيف إليها، ونظرية التدهور والانهيار التي تفسرعمليات الفقد والتآكل والانقطاع ونهاية الأمة بوصفها فاعلًا تاريخيًا. وتأتي نظرية الحياة الطيبة لتحددالغاية والمعيار الذي يوجه هذه النظريات جميعًا.

أما في المجالات التطبيقية، فتظهر نظرية الدولة الحضارية الحديثة بوصفها النظرية السياسية للفلسفةالحضارية. والدولة الحضارية الحديثة هي الأداة السياسية والقانونية والمؤسسية التي يدير بها المجتمععملية إنتاج ذاته، ويحفظ رصيده، وينظم مشاركته، ويوجه مراكَمته نحو الحياة الطيبة. وهي دولةمواطنة ودستور وقانون وحرية وعدالة ومؤسسات، لا تختزل في الحكومة أو الحاكم، ولا تهدم مع كلتغير سياسي، بل تضمن استمرار الدولة مع تداول الحكومات.

وفي المجال الاقتصادي تتفرع نظرية الاقتصاد الحضاري، التي لا تقيس نجاح الاقتصاد بحجم النمووحده، بل بقدرته على تحقيق وفرة إنتاجية مستدامة وعدالة في توزيع الفرص والثمرات. والاقتصادالحضاري لا يختار آليًا بين الرأسمالية والاشتراكية على أساس الاسم، بل يقوّم كل نظام وسياسة بمقدار ماتطلق من العمل والإبداع، وما تنتج من وفرة، وما تحققه من عدالة وكرامة، وما تحفظه من موارد وحقوقللأجيال اللاحقة.

وفي علم الاجتماع يمكن أن تتكون نظرية حضارية في إنتاج المجتمع لذاته والارتقاء بإنتاجه، تدرسكيفية انتقال المجتمع من إعادة إنتاج بنيته القائمة، بما فيها من إيجابيات واختلالات، إلى التدخل الواعيفي هذه العملية. ويحدث ذلك حين يتحول الوعي بالمشكلة إلى إرادة جماعية، وتتحول الإرادة إلى عملتوجهه القيم، ويتحول العمل إلى مؤسسات تحفظ نتائجه وتنقلها وتتعلم منها.

وفي التربية يمكن أن تنشأ نظرية التربية الحضارية وصناعة الإنسان، انطلاقًا من أن التعليم لا ينقلالمعلومات وحدها، بل يكوّن الإنسان الذي سيعيد إنتاج المجتمع أو يعمل على تغييره. وهي تدرسكيفية الجمع بين المعرفة والمهارة والتفكير النقدي والقيم والعمل والمسؤولية. وفي القانون يمكن بناءنظرية القانون الحضاري وولاية القيم، التي تنظر إلى القانون بوصفه أداةً لحماية الكرامة والحقوقوتنظيم القوة وحفظ المراكمة، لا مجرد أوامر تصدرها السلطة.

ويمكن أن تمتد الفلسفة الحضارية إلى الثقافة والإعلام والعلاقات الدولية والعمران والبيئة والتقنية. ففي الإعلام تسأل عن أثر المعرفة والاتصال في وعي الإنسان وقدرته على المشاركة، لا عن حجم الانتشاروحده. وفي العلاقات الدولية تنظر في التعاون والمصالح والأمن المشترك وعدالة النظام الدولي، ولاتجعل قوة الدولة مبررًا للعدوان على الشعوب الأخرى. وفي التقنية تميز بين زيادة القدرة التقنية وبيناتجاه استخدامها، وتسأل عما إذا كانت التقنية توسع فاعلية الإنسان أم تجعله تابعًا لمن يحتكرها.

ومن هنا لا ينبغي عرض الفلسفة الحضارية بوصفها أيديولوجيا مغلقة تقدم إجابات نهائية لكل مشكلة،بل بوصفها برنامجًا فلسفيًا وبحثيًا مفتوحًا. فهي تقدم المفاهيم المؤسسة والغاية والمعيار، ثم تحتاجفي كل مجال إلى المعرفة العلمية والخبرة التاريخية والبيانات والتجربة. ولا تحل القيم محل العلم، كمالا يغني العلم عن القيم؛ إذ تحتاج الحركة الحضارية إلى معرفة صحيحة بالواقع، وإلى معيار يحدد ماينبغي فعله بهذه المعرفة.

كما لا تقدم الفلسفة الحضارية نموذجًا واحدًا تلتزم به جميع المجتمعات في تفاصيل الحياة. فهيتعترف بتعدد الثقافات والتجارب، لكنها لا تجعل هذا التعدد مبررًا للاستبداد أو الظلم أو انتهاك الكرامة. ويمكن للمجتمعات أن تختلف في مؤسساتها وأساليبها وترتيب بعض أولوياتها، بينما تلتقي على الغايةالعامة المتمثلة في الارتقاء بالإنسان والمجتمع، وعلى القيم الأساسية التي تحمي الحياة والحرية والعدلوالمعرفة والعمل.

وبهذا تتضح البنية العامة للمشروع: الفلسفة الحضارية هي الإطار الكلي والرؤية المرجعية، وتتفرع منهانظريات تأسيسية تشرح بنية الحضارة وحركتها وأطوارها ومراكَمتها وتدهورها، ونظريات مجالّية تعيدبناء السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والقانون والثقافة والإعلام والعلاقات الدولية في ضوء الحياةالطيبة. ومن هذا الإطار نشأت نظرية الدولة الحضارية الحديثة في السياسة، ومفهوم الاقتصاد الحضاريفي الاقتصاد، ونظرية المركب الحضاري، ونظرية الأطوار الحضارية، ونظرية المراكمة الحضارية، وتظلبقية المجالات مفتوحةً لبناء نظري مماثل.

إن الفلسفة الحضارية، بهذا المعنى، ليست مقولةً واحدةً ولا مشروع دولة محدودًا، بل منظومة مولِّدةللنظريات ومشروعًا لإعادة التفكير في حياة الإنسان والمجتمع من زاوية جامعة: إلى أي مدى تزيد الأفكاروالسياسات والمؤسسات والمنجزات قدرة الإنسان والمجتمع على الارتقاء المتكامل وتحقيق الحياةالطيبة؟ وهذا السؤال الواحد لا يفرض جوابًا تفصيليًا واحدًا، لكنه يمنح مختلف مجالات المعرفة والعملاتجاهًا مشتركًا، ويحول الحضارة من وصف للماضي إلى مسؤولية عن إنتاج الحاضر وصناعة المستقبل.


مشاركة المقال :