صدى الخيال الأول: سيكولوجيا الإبداع عند الطفل

د. فتون عبد الله الصعيدي

مختصة بالإبداع والتفوق العقلي

حين يمسك الطفل قلماً، أو يرسم خطاً عشوائياً على حافة الورقة، فإنه لا يرتكب مجرد فعل عابر، بل يمارس طقساً تأسيسياً من طقوس الوجود الإنساني. إننا غالباً ما ننظر إلى إبداع الأطفال باعتباره مرحلة ظرفية لطيفة تسبق اكتمال وعيهم، غير أن الغوص في البعد السيكولوجي لهذا الإبداع يكشف عن حقيقة أعمق بكثير: الإبداع ليس رفاهية عقلية، بل هو اللغة الأولى التي يترجم بها الطفل هواجسه، ومخاوفه، ومحاولاته المستمرة لترويض هذا العالم الواسع والمعقد. من منظور علم النفس، يبدأ الإبداع الطفولي من منطقة هشة وشجاعة في آن واحد؛ منطقة التحرر من اليقين. الطفل بطبيعته كائن غير مُحَمَّل بالأنظمة الصارمة أو القوالب الجاهزة التي يفرضها الكبار لاحقاً باسم “المنطق”. حين يسأل الطفل أسئلة تبدو ظاهرياً غريبة أو ساذجة، فهو في الواقع يعيد هندسة الواقع بطريقته الخاصة. هذا التساؤل المفتوح هو النواة الأولى للتفكير الابتكارى. إنه لا يبحث عن الإجابة الصحيحة التي تختزل المعنى، بل يبحث عن إجابات تفتح الباب على مصراعيه للاحتمالات. لكن ما الذي يغذي هذه الشعلة الخفية في داخله؟ إنها البيئة الأمنة التي تمنح الطفل حق الخطأ. حين يدرك الصغير أن خربشاته على الجدار أو حكاياته الخيالية التي تخالط الحقيقة لا تواجه بالتقييم أو النقد أو السخرية، تنمو لديه شجاعة التجريب. فالخوف من الخطأ هو المقبرة الكبرى لكل طاقة إبداعية. السيكولوجيا الحديثة تؤكد مراراً أن الطفل الإبداعي هو ذلك الطفل الذي مُنح مساحة كافية لكي يكون مخطئاً بحرية، ولكي يعيد تشكيل ألعابه وأفكاره دون وصاية صارمة. في المقابل، فإننا نمارس أحياناً دون أن ندري، قمعاً ناعماً لهذا الإبداع تحت شعار التربية السليمة. حين نُصر على تلوين الشجرة باللون الأخضر حصراً، أو نطالب الطفل بأن يحكي قصته بطريقة خطية تقليدية، فإننا نغرس فيه بذرَة الامتثال ونخنق نزعته نحو الاكتشاف. الإبداع الحقيقي يتغذى على الفوضى الخلابة، على تلك اللحظات التي يجرؤ فيها الطفل على دمج الألوان بطرق غير مألوفة، أو اختراع عوالم وهمية يلجأ إليها حين يضيق به الواقع. إن الاستثمار في إبداع الطفل ليس مجرد إعداد لجيل من الفنانين أو الكتاب والمخترعين، بل هو بناء لإنسان قادر على مواجهة تقلبات الحياة بمرونة عقلية ونفسية عالية. فالشخص الذي يتدرب منذ صغره على إيجاد أكثر من حل لمشكلة بسيطة، أو يبتكر قصة تخرجه من وطأة شعور مزعج، هو بالضرورة شخص أقدر على ابتكار حلول لتعقيدات الكبار في المستقبل. إن ما نراه اليوم من طاقات باهرة، وما نقرؤه من نصوص أو نراه من أعمال فنية لأطفالنا، ليس سوى صدى لنداء داخلي يطالبنا بأن ننصت إليهم بوعي أكبر. دعونا نترك لهم مساحة الفراغ لكي يملؤوها بما يحلو لهم من خيال. دعونا لا نستعجل نضجهم المدرسي على حساب طفولتهم المشتعلة بالأسئلة والدهشة. فخلف كل طفل يتخيل عالماً موازياً، يوجد إنسان يجرؤ غداً على تغيير هذا العالم نحو الأفضل.


مشاركة المقال :