من يستطيع إيقاف كرة اللهب قبل أن تبتلع المنطقة؟

فاروق الرماحي

في لحظةٍ تبدو فيها المنطقة أقرب إلى هدنةٍ مؤقتة منها إلى سلامٍ مستقر، تتكاثر التسريبات عن موعدٍمفترض لنهاية الحرب وهو في التاسع من أبريل القادم .

لكن هذا الموعد إن صح لا يعكس بالضرورة قدرة الأطراف على إنهاء الصراع، بقدر ما يعكس حاجتهم إلىالتقاط أنفاسهم.

فالسؤال الحقيقي لم يعد متى تتوقف الحرب، بل من يمتلك قرار إيقافها، وهل ما زال هذا القرار بيد منبدأها أصلًا.

في حين أن الرئيس دونالد ترامب لا يخوض حربًا واحدة، بل حربين متوازيتين ، حربًا عسكرية في مواجهةإيران، وأخرى سياسية داخلية مرتبطة بالانتخابات النصفية.

هذه الازدواجية تفسر التذبذب في الخطاب إعلان تحقيق الأهداف من جهة، والتلويح بمزيد من التصعيدمن جهة أخرى.

في السياسة الأمريكية، لا تُقاس الحروب فقط بنتائجها الميدانية، بل بقدرتها على التحول إلى أوراقانتخابية، وهو ما يجعل أي قرار بالتصعيد أو التهدئة مرتبطًا بحسابات الداخل بقدر ارتباطه بجبهاتالخارج.

في المقابل، يرى نتنياهو أن اللحظة لا تزال مواتية لتحقيق هدف أبعد من مجرد إضعاف إيران، وهوإسقاط النظام نفسه.

وبين هذين التصورين، يتشكل تناقض استراتيجي واضح ، واشنطن تبحث عن مخرجٍ محسوب، بينما تلأبيب تدفع نحو حسمٍ جذري.

هذا التباين لا يربك مسار الحرب فحسب، بل ينعكس مباشرة على فرص التفاوض.

إيران، من جانبها، لا تنظر إلى التفاوض كمسار ثقة، بل كخدعة محتملة. بعد تجربتها القريبة حيث كانتالمفاوضات تسير باتجاه إيجابي قبل أن تتعرض لهجوم أمريكي ، إسرائيلي ، جعلتها ترى في أي دعوةللحوار محاولة لشراء الوقت أو إعادة التموضع.

ومع ذلك، فإنها تتعامل ببراغماتية فمجرد الإعلان عن التفاوض يُعد، في حساباتها، نصرًا سياسيًا لها بحدذاته، لأنه يكسر خطاب  الاستسلام الذي طُرح سابقًا، ويعيدها إلى موقع الندّ لا الطرف المهزوم.

شروط طهران تعكس هذا الإدراك تعويضات عن الحرب، ضمانات بعدم تكرارها، إنهاء العمليات علىجميع الجبهات، والإبقاء على مضيق هرمز تحت سيادتها الكاملة.

هذه المطالب ليست مجرد شروط تفاوض، بل محاولة لترسيخ معادلة ردع جديدة.

والأهم أن الطرف الفعلي الذي يمسك بزمام القرار ليس الحكومة المدنية، بل الحرس الثوري، ما يعني أنمنطق الأمن والعقيدة يتقدم على منطق الدبلوماسية.

وفي ميزان الربح والخسارة، تتشكل مفارقة لافتة ، الولايات المتحدة ترى نفسها منتصرة عسكريًا، وهوتوصيف يستند إلى تفوقها العملياتي وقدرتها على إلحاق خسائر مباشرة بالبنية العسكرية الإيرانية، بينماترى إيران نفسها منتصرة سياسيًا، لأنها من وجهة نظرها منعت تحقيق الأهداف الكبرى للحرب، وعلىرأسها إسقاط النظام أو إخضاعه.

هذا التوازن الهش يجعل من الخيارات المقبلة أكثر خطورة.

أحد أكثر السيناريوهات حساسية هو احتمال إقدام واشنطن على احتلال جزيرة خرج، الشريان النفطيالحيوي لإيران.

خطوة كهذه قد تبدو مغرية عسكريًا، لكنها تحمل كلفة استراتيجية عالية، لأنها قد تدفع طهران إلى تنفيذتهديداتها بفتح أبواب الجحيم .

إيران لوّحت بوضوح أنه في حال المساس بجزرها، فإنها ستستخدم أوراقًا لم تُفعّل بعد، وعلى رأسهاتوسيع دائرة الصراع عبر حلفائها الإقليميين.

هنا يبرز سيناريو شديد الخطورة إذا أُغلق مضيق هرمز، وتزامن ذلك مع تحرك الحوثيين لإغلاق بابالمندب، فإن النتيجة ستكون خنقًا مزدوجًا لممرات الطاقة العالمية، ما يعني عمليًا تعطيلًا جزئيًا لقناةالسويس، وانهيارًا متسارعًا في أسواق الطاقة.

عند هذه النقطة، لن تبقى الحرب محصورة بين أطرافها المباشرين، بل ستتحول إلى أزمة عالميةمفتوحة، تتدحرج فيها كرة النار بسرعة يصعب السيطرة عليها.

ضمن هذا المشهد، لا يمكن تجاهل دور  الناتو الذي بدا مترددًا في الانخراط، إدراكًا لحجم المخاطر، كمالا يمكن إغفال دور الإعلام، الذي لم يعد ناقلًا محايدًا، بل فاعلًا في تشكيل الرواية.

كل طرف يخوض حربه الإعلامية بقدر ما يخوض حربه العسكرية، ما يجعل الحقيقة نفسها ساحة صراع،ويضاعف من صعوبة قراءة ما يجري بوضوح.

في النهاية، تبدو المنطقة وكأنها تسير على حافة معادلة معقدة الولايات المتحدة تضغط عسكريًا لكنهاتبحث عن مخرج سياسي، إيران تتلقى الضربات لكنها تراهن على الزمن والصبر، وإسرائيل تدفع نحوتصعيد قد لا تملك وحدها تبعاته.

وبين هذه القوى، تقف المنطقة أمام احتمالين أحلاهما مرّ

إما اتفاق صعب بشروط متبادلة، أو هدنة هشة تُخفي تحتها حربًا مؤجلة.

أما إذا انهارت المفاوضات، فإن ما سيأتي لن يكون استمرارًا لما سبق، بل تصعيدًا أكثر قسوة، حيث لاتعود الحرب خيارًا، بل تصبح مسارًا مفتوحًا لا يمكن إيقافه بسهولة.

وفي تلك اللحظة، لن يكون السؤال من انتصر، بل من بقي قادرًا على الاحتمال.


مشاركة المقال :