الجزء الاول
خالد صالح
ترجمة : ميلاد عبد العزيز
يتلخص مـوضـوع نـقاش هـذه الدراسة فـي نـقطةٍ بـسيطة: إنَّ أزمـة الـعراق لا تـقتصر عـلى سـطوةالمـيليشيات، أو الـصراع عـلى الـنفط
أو المـظالـم الـكُرديـة؛ بـل تـكمن فـي الفشـل فـي تـطبيق آلـيات الـتصحيح الـدسـتوري الـتي مـنحتالـعراق –فـي مـرحـلة مـا بـعد
عام 2005- شرعيّته الأخلاقية.
كـان مـن المـفترض أن تـؤدي المـادة 140، والمجـلس الاتـحادي، والـفيدرالـية المـالـيّة، والمـحكمةالاتـحاديـة الـعليا المُـشكّلة بـشكلٍ سـليم، إلـى تـحويـل
العراق من دولة قائمة على القسر والإكراه إلى اتحادٍ فيدرالي قابل للتصحيح الذاتي.
غـير أن القوى المسلحة والأحـزاب ذات الـنزعـة المـركـزيـة سـاهـمت فـي تـعطيل تـلك الـبُنْية. وإذاكـانـت واشـنطن تـرغـب فـي رؤيـة
عـراقٍ ذي سـيادة حـقيقية بـعد المـواجـهة الأخـيرة مـع إيـران، فـلا يـنبغي لـها أن تـكتفي بـلغة“الـوحـدة” الـتي تـتبناهـا بـغداد؛ بـل عـليها أن تـتساءل عـم ّ إذا كان العراق مُستعداً للوفاء بالتزاماتهالدستورية التي أضفت الشرعية على تلك الوحدة.
ملاحظة المُؤلف: لماذا يكتسب هذا النقاش أهمية في الوقت الراهن؟
رئـيس الـوزراء الـعراقـي الجديد ذهب إلـى واشـنطن لـلقاء الـرئـيس دونـالـد تـرامـب، فـي وقـت ٍ
يشهـد فـيه مـيزان الـقوى الإقـليمي تـحو لات ٍ لافـتة، إذ كـشفت المـواجـهة الأخـيرة مـع إيـران مجـدداًعـن الـسؤال الـجوهـري الـذي ظـل يُـلاحـق الـعراق مـنذ عـام 2005: هـل يـمكن لـبغداد أن تـتحولإلـى الـدولـة الـدسـتوريـة ذات الـسيادة الـتي وعـد بـها دسـتورهـا، أم سـتظل سـاحـةً تُـعطِّل فـيها
القوى الخارجية وضغوط القوى المسلحة والنزعات المركزية أي مسارٍ للتصحيح الفيدراليّ؟
لـقد كُتب هـذا المـقال خـصيصاً لهـذه اللحـظة، وهـو لا يـطالـب واشـنطن بـالانـحياز لإقـليم كُـردسـتان ضـد الـعراق، بـل يـدعـوهـا وبـغداد إلـى تـذكـر مـا
وعـد بـه الـدسـتور الـعراقـي: عـراق فـيدرالـي وتـعددي وقـائـم عـلى الاخـتيار الحـر، حـيث تُـصح َّ حجـرائـم الـدولـة الـقديـمة عـبر الـقانـون بـدلاً مـن تـكريـسها
واستمرارها بفعل المماطلة والتأجيل.
وإذا أرادت الـقيادة الـعراقـية الجـديـدة الـحصول عـلى الـدعـم الـدولـي والاسـتثمارات واحـترامسـيادتـها، فـعليها أن تـبرهـن عـلى أن الـسيادة
تــعني أكــثر مــن مجــرد مــقاومــة لــلتدخــل الأجــنبي؛ إذ يــجب أن تــعني أيــضاً الــوفــاءبــالالــتزامــات المــترتــبة عــلى الاتــفاقــيات الــدســتوريــة مــع إقــليم كُردستان.
وعليه، لا ينبغي أن ينحصر السؤال المطروح أمام واشنطن في قدرة بغداد على السيطرة على السلاح فحسب، بــل يــجب أن يــشمل أيــضاً مــدى اســتعداد بــغداد لاســتعادة الآلــيات الــدســتوريــةالــتي ســاهــمت فــي تــعطيلها كــل ٌّ مــن الأحــزاب و الفصائل المـسلحة ، والمحاكم ذات النزعةالمركزية، والانتهازيّة السياسيّة التي سادت مرحلة ما بعد عام 2005.
إن المـادة 140، والمجـلس الاتـحادي، والـفيدرالـية المـالـية، وتـرتـيبات الـنفط والإيـرادات، والـوضـعالـدسـتوري لإقـليم كُـردسـتان، ليسـت قـضايـا ثانوية؛ بل هي المحك الذي يُحدد ما إذا كان بإمكانالعراق أن يصبح دولةً يحكمها الإصلاح والتقويم لا الإكراه والقسر.
لم يـكن الـدسـتور الـعراقـي لـعام 2005 مجـرد تـسويـة قـانـونـية تـلت حـقبة الـديـكتاتـوريـة، بـلكـان مـحاولـةً لـتصميم هـيكلية قـائـمة عـلى الـتسامـح
والمُـصالـحة لـدولـةٍ مُـهشمة. ولـم تـكن وعـوده الـجوهـريـة مـقتصرةً عـلى الـوحـدة أوالـديـمقراطـية أو الـفيدرالـية كـآلـيات ٍ إداريـة فحسـب، بـل تـمثلت
فـي إمـكانـية إعـادة تـشكيل الـعراق طـوعـاً بـعد جـرائـم الـنظام الـبعثي: حـلبجة، والأنـفال،والـتعريـب، والـتهجير، والـقمع، والإنـكار الـطويـل للوجود السياسي الكُردي.
لـقد حـقق الـكُرد إنـجازاً اسـتثنائـياً فـي المـفاوضـات الـدسـتوريـة؛ إذ ارتـقوا بـالـقضية الـكُرديـة مـنمجـرد مـشكلة أمـنية أو مـطالـبة حـقوقـية لأقـليّة
عـرقـيّة أو حـكمٍ ذاتـيّ مـؤقـت، لـتصبح جـزءاً جـوهـريـاً مـن هـيكلية الـعراق الجـديـد نـفسه. وأصـبحت الـفيدرالـية الـنواة الـتأسـيسيّة الـتي يـمكن مـن
خلالها إعادة بناء العراق كاتحادٍ طوعي بدلاً من كونه دولةً قائمة على الإكراه.
غــير أن مــأســاة الــعراق فــي مــرحــلة مــا بــعد عــام 2005 تــكمن فــي أن تــلك الــهيكليّةالــقائــمة عــلى الــتسامــح قــد تــحوّلــت تــدريــجياً –مــن الــناحــية
العملية– إلى هيكلية تفتقر إلى التسامح الذي بُنيَت عليه.
فبمجـرد أن أحـكم الـنظام الـسياسـي الـذي فـي بـغداد قـبضته عـلى مـؤسـسات الـدولـة، جـرىتـعطيل أو تـقليص أو عـرقـلة
الـعديـد مـن الآلـيات الـدسـتوريـة الـتي كـانـت سـتقود إلـى تـرسـيخ الـتسامـح؛ فـلم تُـنفَّذ المـادة140، ولـم يُـشكَّل المجـلس الاتـحادي، وظـلت مـسائـل الـنفط
والإيرادات عالقةً دون حل.
كـما أصـبحت المـحكمة الاتـحاديـة الـعليا طـرفـاً فـاعـلاً فـي الـنزاعـات بـطرقٍ اعـتبرهـا إقـليم كُـردسـتان تـرسـيخاً لـلحكم المـركـزي، وتـحولـت آلـيات
الموازنة والرواتب إلى أدوات للضغط، لتتحول الوعود الدستورية بقيام اتحادٍ حر طوعي إلى واقعٍ فُرضتفيه الوحدة قسراً.
تجادل هذه الدراسة بـأن المـادة 140 لـم تـكن مجـرد بـند يـتعلق بـالأراضـي، بـل كـانـت تـمثل أيـضاًالـركـيزة الأخـلاقـية لـلفيدرالـية الـعراقـية؛ لأنـها
عالجت النقطة التي تتقاطع فيها بوضوحٍ تام قضايا الإبادة الجماعية، والتعريب، وكركوك، والأرض،والذاكرة، والإصلاح الدستوري.
لـقد كـانـت بـمثابـة آلـية الـدسـتور لـتحقيق المـصالـحة والـتسامـح فـي المـناطـق المُـتنازَع عـليها. وقـد ص ُ ـممت مـراحـلها –إعـادة الأوضـاع فـي تـلك
المـناطـق إلـى وضـعها الـطبيعي، ثـم الـتعداد الـسكانـي، ثـم الاسـتفتاء– لـتمكين الـناس مـنمـمارسـة حـق الاخـتيار بـعد زوال الإكـراه؛ إذ كـان مـن شـأن
تـصحيح الأوضـاع إزالـة الـتشوهـات الـديـموغـرافـية الـناجـمة عـن الـتعريـب، وأن يُـرس ِّ ـخ الإحـصاءالـحقائـق عـلى الأرض بـعد عـملية الـتصحيح، وأن
يـتيح الاسـتفتاء لـلشعب اتّـخاذ قـراره بـعد تـهيئة الـظروف المـلائـمة لحـريّـة الاخـتيار. بـرفـضالـحكومـة المـركـزيـة تـنفيذ المـادة 140، لـم تـكتف ِ بـتأجـيل
التصويت، بل حافظت على الواقع القسري الذي كان من المفترض أن يُصح ِّ حه ذلك التصويت.
لـذا، لا يـنبغي الـنظر إلـى اسـتفتاء إقـليم كُ ـردسـتان عـام 2017 بـاعـتباره عـملاً مـفاجـئاً نـابـعاً مـننـزعـة انـفصالـية غـير عـقلانـيّة، بـل كـعودة إلـى المـبدأ الأسـاسـي غـير المـحسوم فـي الـدسـتورذاتـه: وهـو أنّ الـعراق كـان مـن المُ ـفترض أن يـكون اتـحاداً ح ُ ـراً، قـائـماً عـلى الاخـتيار الـطوعـي. وحـينما
تـعطلت آلـيات “الـبنية المـتسامـحة” )الـتي تسـتوعـب الأخـطاء(، لـجأ الـكرد –بـشكل سـلمي– إلـىمـبدأ الـتأسـيس الـطوعـي لـلدولـة. وكـان رد بـغداد هـو
اعـتبار ذلـك المـسعى غـير دسـتوري. وكـانـت الـنتيجة انـكشافـاً نـهائـياً لـلتناقـض الـذي لازم مـرحـلةمـا بـعد عـام 2005؛ إذ نـصت صـياغـة الـدسـتور
العراقي على مبدأ الفيدرالية الطوعية، ولكن عندما اختبر الكُرد طوعية هذا الاتحاد، كان رد الدولة –مرةأخرى– هو الإخضاع القسري.
مفهوم “البُنْية المُتسامِحة”
البنية المتسامحة هي هيكل ٌ مُصمم ليناسب كائنات ٍ بشريّة معرضة للخطأ.
فـي الـهندسـة، يَـفترض الـتصميم المُـتسامـح حـتمية وقـوع الأخـطاء؛ فـالأبـواب قـد تُـفتح بـأيـدٍمـنهكة، والـطرق قـد يسـتخدمـها سـائـقون غـير مـثالـيين،
والمباني يجب أن تصمد أمام الضغوط والعوامل الجوية والخطأ البشري ومرور الزمن.
لا تـدّعـي الـبُنْية المـتسامـحة إمـكانـية إلـغاء الفشـل تـمامـاً، بـل تُـصمم مـساحـات لا يـتحول فـيهاالفشـل بـالـضرورة إلـى كـارثـة، ويـنبغي لـلدسـتور أن
يفعل الشيء نفسه.
فـالـدسـتور الـجاد لا يُـكتب لـلملائـكة، بـل يُـكتب لأشـخاص ٍ مُـثقلين بـالجـراح، ولـذاكـرات ٍمُـتصارِعـة، وطـموحـات ٍ مُـتنافِـسة، وحـكامٍ سـيئين، وأقـليات ٍ
خائفة، ومواطنين مُنهَكين، وانفعالات ٍ خطيرة، وإرث ٍ من الجرائم.
إن مـهمة الـدسـتور ليسـت إلـغاء الـصراع، بـل جـعله قـابـلاً لـلمعالـجة والإصـلاح؛ إذ يـنبغي أن يـتيحلـلمجتمع فـرصـة الـتراجـع وتـصحيح المـسار
بالضغط على زر التصحيح قبل أن يتحوّل الخطأ إلى سفك للدماء.
وبهـذا المـعنى، كـان مـن المـفترض أن يُـشكِّل الـدسـتور الـعراقـي لـعام 2005 بُـنْيةً مـتسامـحة؛ فـقدكتب فـي أعـقاب حـقبة الـديـكتاتـوريـة، والإبـادة
الجماعية، والحروب، والعقوبات الدولية، والاحتلال، والإرهاب الطائفي، وانهيار الدولة.
لـقد وَرِث هـذا الـدسـتور بـلداً تـشكّلت خـريـطته الـسياسـية بـفعل اخـتراعـات ٍ إمـبريـالـيّة، ونـظامٍمـلكي، وقـومـيّةٍ عـربـيّة، ومـركـزيّـةٍ بـعثيّة، وهـندسـةٍ
ديموغرافية، وعنف جماعي.
ولم يكن بوسع أي ّ نص ٍ دستوري أن يمحو ذلك الماضي ويجعل البلاد بريئةً أو خاليةً من تلك الأعباء.
لكن الدستور كان بوسعه أن يحقق أمراً آخر؛ ألا وهو خلق هيكلية تتيح تصحيح الأخطاء الموروثة دونالحاجة إلى تدمير العراق.
وذلـك كـان الإنـجاز الـكُردي؛ فـلم يـكتف ِ الـكُرد بـانـتزاع الاعـتراف بـهم وبـبعض حـقوقـهم، بـلأجـبروا الـعراق الجـديـد عـلى الإقـرار بـأن الـعراق القديم قد بُني على أسس خاطئة.
لـم تـكن الـفيدرالـية مجـرد مـصطلحٍ تجـميلي، بـل كـانـت المـبدأ الـهيكلي الـذي يـمكن مـن خـلالـهإعـادة بـناء الـعراق عـلى أسـس ٍ طـوعـيّة. لـم تـكن المـادة
140 مجــرد بــندٍ جــانــبي؛ بــل كــانــت آلــيةً لــتصحيح أوضــاع الأقــالــيم الــتي شُوهت حــقيقتهابــفعل الإكــراه الــذي مــارســته الــدولــة. ولــم تــكن عــبارة
“الاتـحاد الحـر” الـواردة فـي ديـباجـة الـدسـتور مجـرد مـبالـغةٍ شـاعـريـة، بـل كـانـت تـمثل الأسـاسالأخـلاقـي لـدولـةٍ لـم يـعد بـوسـعها ادّعـاء الشـرعـية
استناداً إلى القوة وحدها.
وهكذا، كان جوهر الوعد الذي قدمه الدستور يتمثّل في الآتي:
أن يستمر العراق فقط كاتحادٍ لشعوب ٍ اختارت تقاسم مستقبلٍ مشترك في ظل نظامٍ ديمقراطيٍفيدرالي.
تـلك كـانـت مـاهـية الـتسامـح.لـم يـكن تـسامـحاً بـمعنى الـنسيان، ولا تـسامـحاً بـمعنى الـتبرئـة مـنالـذنـب، ولا تـسامـحاً بـمعنى مـطالـبة الـكُرد بـطيّ
صفحة الماضي والمضيّ قُدماً.
لـقد عـنى الـتسامـح عـدم الـسماح لـلدولـة الـقديـمة بـالاسـتمرار دون تـصحيحٍ لأوضـاعـها. وعـنى ألايُـطلب مـن ضـحايـا الـهيكلية الـقديـمة الـعيش
إلــى الأبــد داخــل أروقــتها. وعــنى أن يُــشيّد الــدســتور مــخارجَ مــن واقــع الإكــراه المــوروث،وذلــك عــبر الــفيدرالــية، وصــلاحــيات الأقــالــيم، والمــساواة
اللغوية، وعدالة توزيع الإيرادات، وتسوية أوضاع المناطق المتنازع عليها، والحق في المشاركة في إعادةتشكيل الدولة.
تكمن المأساة في أن هذه الهيكلية القائمة على التسامح قد ح ُ وِّلت تدريجياً إلى نظامٍ يفتقر إليه.
الإنجاز الدستوري الكُردي: تحويل البقاء إلى هيكليّة مؤسسيّة.
دخـل الـكُرد عـراقَ مـا بـعد صـدّام بـوضـعٍ سـياسـيّ فـريـد؛ فـقد نـجوا مـن حـملات الأنـفال،والهجـمات الـكيميائـية، والـتهجير القسـري، وتـدمـير الـقرى،
وسـياسـات الـتعريـب، وعـقود مـن الإنـكار والحـرمـان. وعـلاوة عـلى ذلـك، كـانـوا قـد أسـسوا –تـحتحـمايـة مـنطقة حـظر الـطيران بـعد عـام 1991- إقـليماً
يتمتع بحكم ذاتي فعلي.
وبحلول عام 2003، لم يعد الكُرد مجرد أقليّة مُضطهَدة تطالب بالحماية، بل أصبحوا شعباً يمتلكمؤسسات وأحزاباً وقوّات مسلحة وبرلماناً وإدارة، ويحمل في ذاكرته تجربة الاقتراب من حافة الفناء. لذا،لم يكن مطلبهم الدستوري مجرد حكم ذاتي، بل كان إعادة هيكلة شاملة.
أصـر الـكُرد عـلى أن عـراق مـا بـعد صـدّام لا يـمكن إعـادة بـنائـه عـلى هـيئة الـدولـة المـركـزيـةالـقديـمة ذاتـها مـع اسـتبدال الـحكام بـآخـريـن أفـضل
حـالاً؛ فـالمـشكلة لـم تـكن تـكمن فـي شـخص صـدّام فحسـب، بـل فـي الـهيكلية الـتي أتـاحـتتـطبيق سـياسـاتـه المـعاديـة لـلكُرد، ومـنها المـركـزيـة، والـهويّـة
الـقومـيّة الـعربـيّة لـلدولـة، والـسيادة المـطلقة غـير المُـقيَّدة، والـتحكم مـن بـغداد، والـتلاعـبالـديـموغـرافـي، واخـتزال المـطالـب الـكُرديـة فـي مجـرد هـواجـس
أمنية.
تــمثل الإنــجاز الــكُردي عــام 2005 فــي نــقل هــذه الــقضايــا إلــى صــلب الــدســتور؛ إذ تــقررأن يــكون الــعراق اتــحاديّــاً، وأن يُــعترف بــكُردســتان
كـإقـليم، وأن تـكون الـلغة الـكُرديـة لـغة رسـمية، وأن تحـظى سـلطات الإقـليم بحـمايـة دسـتوريـة،مـع الاعـتراف بـالسـلطات الـقائـمة فـي كُ ـردسـتان وبـقاء
القوانين الإقليمية الصادرة منذ عام 1992 سارية المفعول، وحسم ملف المناطق المُتنازَع عليها بموجبالمادة 140.
كـما نـص ّ ت ديـباجـة الـدسـتور لـيس فـقط عـلى الـوحـدة، بـل عـلى “اتـحادٍ ح ُ ـرّ” اخـتارتـه شـعوبالـعراق. لـقد كـان ذلـك نـجاحـاً عـميق الأثـر؛ إذ لـم تـعد
القضية الكُردية خارج الهويّة القانونيّة للعراق، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هيكلية بناء الدولة ذاتها.
لـم يـكن يُـفترض بـالـعراق الجـديـد أن يـكون مجـرد الـدولـة الـقديـمة وهـي الـتي تـعفو عـن نـفسها،بـل كـان يُـفترض بـه أن يـكون دولـة أُعـيد بـناؤهـا
بحيث لا تعود الأخطاء القديمة قادرةً على التحكم في مسارها.
ولهــذا الســبب تكتســب أهــمية الــدســتور هــذا الــبعد الــعميق؛ فــهو لــم يــكن مجــردتــسويــة بــين الــنُخَب الــسياســيّة، بــل كــان يــمثّل نــظريــةً لــكيفية
اكتساب بلدٍ محطمٍ للشرعية، وكانت تلك النظريّة تقوم على مبدأ الفيدرالية كفعل تسامح.
الاتحاد الحر: الأساس الطوعي للعراق الجديد
، اخــتار بحــريّــة وإرادة مســتقلة تــوحــيد
تكتســب لــغة الــدســتور أهــميّةً جــوهــريّــة، إذ يــنص ّ عــلى أن شــعب الــعراق، “بــمختلفمــكونــاتــه وأطــيافــه”
مستقبله. كما يؤكد أن الالتزام بالدستور يحفظ “الاتحاد الحر للشعب والأرض والسيادة” في العراق.
وهـذا لـيس مجـرد خـطاب دسـتوري عـادي؛ فـالاتـحاد الحر يختلف عـن الـوحـدة القسـريّـة،فـالـوحـدة القسـريّـة تـفرض الانـتماء بـموجـب قـرار الـدولـة،
بينما يقوم الاتحاد الحر على شرعيّة الدولة المُستمدة من اختيار شعوبها البقاء معاً وفق شروط ٍ مُتَّفقٍعليها.
ويُـعد هـذا الـتمييز أعـمق إنـجاز حـققه الـكُرد فـي دسـتور عـام 2005؛ إذ دفـعوا الـعراق لـتجاوزالمـفاهـيم الـتقليديّـة لـلسيادة، وفـرضـوا فـي الـنص ّ
التأسيسيّ مبدأ أنَّ وحدة العراق يجب أن تُصان عبر الالتزام الدستوري، لا عبر الإكراه وحده.
وتكتسـب هـذه الـنقطة أهـميّتها لأن الـكُرد كـانـت لـديـهم أسـباب تـاريـخيّة تـدعـوهـم لـلخشية مـنمـصطلح “الـوحـدة”؛ فـفي عـراق المـاضـي، كـانـت
الـوحـدة غـالـباً مـا تـعني الـتعريـب والـقمع والحـملات الـعسكريّـة وطـمس الـلغة وإنـكار الـحكمالـذاتـي ورفـض الاعـتراف بـالـكيان الـسياسـي الـكُردي. لـم تكن الوحدة قيمةً مُحايدة أو خيراً مطلقاً،بل كانت الأداة اللّغوية التي فرضت بها السلطة المركزية هيمنتها على التعددية.
وقد سعى دستور عام 2005 إلى تغيير مفهوم الوحدة؛
لتصبح الوحدة قائمة على الفيدرالية.
وقائمة على الاختيار الحر.
وقائمة على الحقوق.
وقائمة على تصحيح مسار الدولة القديمة.
وقائمة على الدستور ذاته.
ومـن ثـم، أرسـت ديـباجـة الـدسـتور مـعياراً جـوهـريّـاً: تكتسـب وحـدة الـعراق شـرعـيتها فـقط حـينتـظل اتـحاداً ح ُ ـرّاً. فـإذا انـتُهك الـدسـتور، أو أُفـرغـت
الــفيدرالــية مــن مــضمونــها، أو عُــطّلت المــادة 140، أو قُــلّصت صــلاحــيات الأقــالــيم، أواســتُخدمــت المــيزانــية كســلاح، فــإن الــدولــة قــد تــظل تــدّعــي
الوحدة، لكنها تكون قد أضعفت الشروط الدستورية التي جعلت تلك الوحدة ح ُ رةً وطوعيّة.
وهذا هو المبدأ الذي استند إليه استفتاء عام 2017 ضمناً.
لـم يـبتكر الـكُرد مـفهوم الاتـحاد الـطوعـي فـي عـام 2017، بـل وجـدوه مُـتأصلاً فـي الـتأسـيسالـدسـتوري لـلعراق. كـانـت حـجتهم بـسيطة، وإن
كـانـت تـنطوي عـلى تـداعـيات سـياسـيّة مـلغومـة: إذا كـان الـعراق اتـحاداً حـراً، وإذا كـانـت شـروطهـذا الاتـحاد قـد انـتُهكت مـراراً وتـكراراً، فـيجب أن
يـكون مـن حـق الـشعوب الـتي انـضمت لهـذا الاتـحاد أن تـتساءل عـم ّ إذا كـانـت لا تـزال مـوافـقةعـليه. وكـان رد بـغداد: لا. كـشفت تـلك الإجـابـة عـن
التناقض.
المادة 140: التسامح كإجراءٍ تطبيقيّ
تُــعد المــادة 140 أوضــح تــجسيدٍ دســتوري لآلــية الــعفو؛ فــهي الأوضــح لأنــها تــعالــجالــتبعات المــيدانــيّة المــلموســة لجــرائــم حــزب الــبعث. وبــالنســبة
لـلمطَّلعين عـن كـثب عـلى المـفاوضـات الـدسـتوريـة، لـم يـكن مـعناهـا مجـرد إجـراء إداري؛ بـلكـانـت نـقطة تـلاقـي قـضايـا الـفيدرالـية، والإبـادة الجـماعـية،
وسياسة التعريب، وكركوك، وإصلاح الضرر الأخلاقي.
لـم تـكن عـمليات الـتطهير الـعرقـي فـي كـركـوك ومـحيطها ظـلماً ثـانـويـاً، بـل كـانـت أحـد المـظاهـرالمسـتمرة لمشـروع الـنظام الـقائـم عـلى الإبـادة
الجماعية ضد الكُرد؛ وهي سياسة لم تكتف ِ بالقتل والتهجير والترهيب، بل سعت لإعادة صياغة التركيبةالبشريّة للأرض ذاتها.
ولـذا، حـملت المـادة 140 عـبئاً أخـلاقـياً يـتجاوز مجـرد الإدارة المـكانـيّة الـعاديّـة؛ إذ مـثّلت الإجـراءالـدسـتوري الـذي يـتيح لـلعراق الاعـتراف بـأن
“التعريب” لم يكن حقيقة ديموغرافية تتطلب الإدارة، بل واقعاً ناتجاً عن جريمة تستوجب التصحيح.
لــقد صممت المــادة لمــعالــجة وضــع كــركــوك والمــناطــق المُــتنازَع عــليها الأخــرى، لــكنمــنطقها الأعــمق كــان أوســع نــطاقــاً؛ فــقد أقــرّت بــأن الــدولــة
السابقة قد خلقت وقائع مُصطنعة.
لـم تـقتصر سـياسـة الـتعريـب عـلى الـسيطرة عـلى الأرض فحسـب، بـل أعـادت صـياغـة الـظروفالـتي سـتُتخذ فـي ظـلها الـخيارات الـسياسـيّة
المستقبليّة.
ولهذا السبب، تطلّبت المادة 140 ثلاث مراحل: تسوية الأوضاع في المناطق المُتنازَع عليها، ثم التعدادالسكاني، ثم الاستفتاء.
يُـمثل هـذا التسـلسل نـظريـةً لـلاخـتيار الـعقلانـي فـي مـرحـلة مـا بـعد الإكـراه. تـأتـي مـرحـلةالـتسويـة أو لاً؛ لأنـه لا يـمكن مـطالـبة الـناس بـالاخـتيار فـي
ظل واقعٍ تم هندسته بالقوة.
فـإذا كـان الـناس قـد تـعرّضـوا لـلتهجير، أو الـتوطـين القسـري، أو الـترهـيب، أو سـلب المـمتلكات، أوالـتلاعـب بـسجلاتـهم، أو الـفصل الإداري،
فإن الوضع القائم لا يكون محايداً، بل هو انعكاس لآثار الإكراه. ومبدأ التطبيع هنا يعني: تصحيح التشوّهالموروث.
وتـليها مـرحـلة الإحـصاء الـسكانـي؛ لأن الـحقائـق يـجب أن تُـثبَّت بـعد الـتصحيح، لا قـبله. فـإجـراءإحـصاءٍ سـكانـي فـي ظـل واقـع لـم يُـصحح
ينطوي على خطر احتساب “نجاح” الجريمة كواقع قائم.
وأخـيراً يـأتـي الاسـتفتاء؛ لأن الاخـتيار لا يكتسـب مـعناه الـحقيقي إلا بـعد مـعالـجة آثـار الإكـراهوتـوضـيح الـحقائـق. فـالاسـتفتاء هـو الخـطوة الختاميّة، بينما تُمثّل تسوية الأوضاع استعادةً لحريةالاختيار. وتلك هي عبقرية المادة 140.
لـم تـكن هـذه المـادة حـيلةً كُـرديّـة، ولا مـطلباً مُتطرفـاً مُغلَّفاً بـصياغـةٍ قـانـونـيّة، بـل كـانـتاعـترافـاً دسـتوريّـاً بـأن الخـريـطة المـوروثـة عـن حـقبة الـبعث لا
يمكن التعامل معها باعتبارها خريطةً بريئة. كانت المناطق المُتنازَع عليها محل نزاع لأن الدولة نفسهاساهمت في جعلها كذلك.
وقـد اكتسـب هـذا الأمـر أهـميّةً بـالـغة لأن الـعراق لـم يشهـد أبـداً الـكشف الـكامـل عـن الـحقيقةالـذي كـان مـن المـمكن أن تـوّفـره مـحاكـمةٌ عـادلـة
وشاملة لجريمة الإبادة الجماعية.
فـقد أُعـدم صـدّام حسـين عـقب قـضيّة الـدّجـيل، وقـبل أن تـصل إجـراءات مـحاكـمة الأنـفال إلـىمسـتوى الاعـتراف الـعلني وإصـدار الأحـكام وتوثيق السجل الأخلاقي الذي تطلّبته قضية الإبادةالجماعية للكُرد.
ولــم يُــجبَر الــقادة الــناجــون مــن الــنظام الــقديــم عــلى المــثول أمــام الــعراق و كُــردســتانوالــعالــم فــي مشهــدٍ دســتوري مــكتمل يجسد الاعــتراف
بالجريمة وجبر الضرر الناجم عنها.
وقـد أدّى هـذا الـغياب إلـى تحـميل المـادة 140 جـزءاً مـن الـعبء الـذي كـان يـنبغي أن تتحـملهعـملية مـحاسـبة شـامـلة. وإذا كـانـت قـاعـة المـحكمة لـم
تـنجح فـي تـسمية الجـريـمة ومـعالـجتها بـالـكامـل، فـإن آلـيّة الـتصحيح المـنصوص عـليها فـيالـدسـتور أصـبحت أكـثر بـروزاً وإلـحاحـاً؛ ولـذا كـان لـزامـاً
على الدولة أن تشارك في تصحيح النزاع الذي تسببت هي في خلقه.
وبهذا المعنى، كانت المادة 140 بمثابة مفتاح التصحيح في الدستور.
لــقد كــانــت تــلك فــرصــة الــعراق لمــحو الــتغييرات القســريّــة الــتي فــرضــها الــنظامالــقديــم، وذلــك قــبل ســؤال ســكان المــناطــق المُــتنازَع عــليها عــن
المستقبل الذي يطمحون إليه.
ذلك هو ما يتطلَّبه التسامح، لا الانتقام، ولا التهجير، ولا الانتصار العرقي، بل التصحيح.
لماذا لا يُعد عدم التنفيذ موقفاً محايداً؟
تـتمثل أخـطر الأوهـام فـي الـحالـة الـعراقـية فـي الاعـتقاد بـأن عـدم تـنفيذ المـادة 140 قـد حـافـظعـلى الاسـتقرار. صـحيح أن هـذا قـد يـكون قـد أج ّ ـل
المواجهة المباشرة، لكن التأجيل لا يُعد حياداً عندما يكون الواقع القائم نتاجاً للإكراه.
فـعندمـا تـقوم الـدولـة بـتهجير الـسكان، وتـوطـين آخـريـن، وتـغيير الحـدود الإداريّـة، وتـعديـل الـس ّجلات، وتـوزيـع الأراضـي، وتـرويـع المـجتمعات، ثـم
تؤج ّ ل عملية التصحيح لفترة طويلة، فإن الوضع الراهن الناتج عن ذلك يبدأ في الظهور بمظهر الأمرالطبيعي.
وحــينها، يــمكن اتــهام أي شــخص يــسعى لــلتصحيح بــأنــه يــزعــزع الســلام؛ وهــذه هــيآلــية عــمل الخــطأ المحــميّ ، ويُوصف التصحيح بأنه “زعزعة للاستقرار”.
مصطنعاً. ثم يمضي الوقت. بعد ذلك، يُطلق على هذا الواقع المُصطنع اسم “الحقيقة”
لقد صممت المادة 140 لمنع حدوث هذا السيناريو تحديداً؛ ولم يكن الموعد النهائي المحدد لتنفيذهاأمراً عشوائياً، بل كان
وسيلةً لحماية عملية التصحيح من الضياع في دوامة التأجيل، ومنع تحول الواقع القديم إلى أمرٍ طبيعيبمرور الزمن.
انقضى الموعد النهائي، ولم يحدث التصحيح.
لم تكن النتيجة حياداً، بل كانت الحفاظ على الخريطة القديمة في ظل سلطة الدستور الجديد.
ولهـذا السـبب، يُـعد عـدم الـتنفيذ هـو الفشـل الـجوهـري؛ فـالـعراق لـم يـكتف ِ بـالفشـل فـي إجـراءاسـتفتاء، بـل فشـل أيـضاً فـي إتـمام عـملية تـسويـة
الأوضــاع، وفــي تــرســيخ حــقائــق مُــص َّ ححة، وفــي تــهيئة الــظروف الــتي تــجعل مــنالاســتفتاء خــياراً حــقيقياً، وفــي الــسماح لــلدســتور بــأداء دور
المُصالحة والتسامح الذي صمم لأجله.
إن عـملية الاقـتراع لا تُـعد خـياراً عـندمـا تـكون الـواقـعة الـكامـنة خـلفها قـد صيغت قسـراً، كـما أنالـدسـتور لا يـحقق المُـصالـحة حـين يُـطالـب
ضحايا القسر القديم بقبول عواقب ذلك القسر كثمن ٍ للسلام.
