بقلم: طلال كمال الدين
في نوفمبر 2024، في دار الأوبرا في مدينة خنت البجيكية؛ قدمت أوركسترا “باليه فلاندرن” عملاً أوبرالياًيحمل عنوان برزخ Barzakh، وبسبب الإهتمام الفني والإعلامي، أعيد عرضه في ديسمبر 2025 في مدينةأنتورب، حيث وصفت الصحافة الفنية هذه الأوبرا بأنها: “صرخة احتجاج ضد أنظمة السجون، والحبسالاحتياطي المجحف، قد لا تحققها المطالب المباشرة والتظاهرات.” وقد أرجعوا نجاح الأوبرا فنياً إلى: “عمق الموسيقى التي تجذرت في النصوص الدرامية“، وإلى قدرتها على خلق فضاء مشحون بالخوفوالتشتت الفكري والترقب والأمل، واعتبرها بعضهم: “تجربة رائدة لمزج موسيقى الشعوب المتنوعة،بغية ابتكار أنماط موسيقية جديدة“.
إبتكر هذا المزج الفني لغة موسيقية تتماهىمع العواطف الإنسانية، لكنها تبقى متوثبة وحادة الحوافحين تعالج توترات نفسية معقدة، مثل تلك التي يعاني منها مغتربينمحتجزين رهن الحبس الإحتياطي،تحولتأوطانهم الأصلية، في ذاكرتهم، إلى محض صورٍ باهتة ذات معانٍ متلاعبة مموهة.
مؤلف موسيقى الأوبرا هو الموسيقار العراقي أسامة عبد الرسول، المولود في محافظة بابل، أما النصوصالدرامية فهي تجربة فريدة، إذساهم في كتابتها عدة سجناء تلقوا تدريبات في محترفات أقيمت فيالسجون، أشرف عليها مخرج الأوبرا البلجيكي؛ توماس بيلينكمع الموسيقار أسامة عبد الرسول، وقدأصبحت تلك النصوص شهادات حية تروي مرارة وأوجاع تجربة خطرة يحكمها الإستفزاز والرعبالمستمر.
انتقل أسامة عبد الرسول إلى بلجيكا في أواخر القرن الماضي، وبدأ هناك بإرساء قواعد مشروع موسيقيمبتكر، من خلالمؤلفات موسيقية تبنتها فرق ومؤسسات ثقافية بلجيكية، قبل أن تنتشر في عموم أوربا،وفي العديد من بلدان العالم.
يعتمد مشروع أسامة على مزج أنماطموسيقية لشعوب متنوعة، من أجل إنتاج موسيقى تلامس المعاناةالإنسانية التييولدها الإختلاط بين الشعوب والأعراقالمختلفة، والذي يؤدي بالضرورة إلى قيام محاولات،ناجحة أو فاشلة، لتكريس مفاهيم الإندماج والتعايش السلمي، ومحاولات أخرى تدفع للتمسكبالهويات الثقافيةالأصلية، وهو ما يذكرنا بمقولة غاندي: “سأسمح لكل الثقافات أن تقتحم نوافذ عقلي،لكني لن أسمح لها أن تقتلعني من جذوري“.
الإعلاميون أجمعوا على أن موسيقى الأوبرا،بالإضافة إلى أنها شجية ومؤثرة، فقد ساهمت في تحويلالأوبرا إلى وثيقة بوح،وصرخة احتجاج وصل دويها إلى أسماع المجتمع والإعلام ودوائر القانونوالسياسة، في محاولة لإيصال معاناة هذه الشريحة الإنسانية المهمشة.
كتبت الحوارات المسرحية بلغات متعددة،وهي تدور في الغالب حول أوضاع السجن التي تنتهك آدميةالإنسان، وعلاقات المحتجزين المتوترة ببعضهم البعض، وتواصلهم المشوه مع الحياة خارج الأسوار:
“النوم أحياناً في مسافة لا تتجاوز متراً واحداً. المرافق المكشوفة التي تنتهك الخصوصية بشكل بشع. النزاعات والمعارك التي تندلع دون أسباب واضحة. الجولة اليومية في ممرات السجن التي قد يحرمالسجناء منها لسبب أو لآخر. زيارات الأقارب الأسبوعية المنتظرة، هل سيأتون؟…”وأخطرها ذلك السؤالالمرعب الذي يلَوّحُ بمطرقته الضخمة القاتلة: “متى يصدر قرار الإحالة إلى المحكمة؟“
هذا ما شُغِلت به الحوارات الدرامية، أما قضايا المعاناة النفسية وارهاصات العوالم الداخلية، فقدوقعت على عاتق الموسيقىالتي اتخذت عدة مسارات، بعضها يدعم الحوار فنياً ويسير بموازاته، وبعضهايتعامل مع المشاعر المتناقضة والآمال المحبطة.
بغية احتواء تلك التعقيدات؛ لجأ مؤلف الموسيقى إلى توظيف آلات شرقية وغربية منفردة تعطي شحناتعاطفية متدفقة، بموازاة موسيقى الأوركسترا التي تشكلخلفيات شبيهة بالمرايا المهشمة التي تعكسشظايا صور لن تكتمل.
أثناء عرض الأوبرا؛ تفاعل الجمهور بحماس مع الأداء الموسيقي والدرامي المبهر الذي نفذته فرقة “باليهفلاندن“، ولا شك أن التأثر المفرط للجمهور قد أفضى إلى إثارة قضيةالحبس الإحتياطي، ووضعها فيدائرة اهتمام المجتمع والسلطات المعنية، إذ لم يكن ثمة من يحتج على أن فترة الحبس الإحتياطي غيرمحددة بقانون، وقد تطول إلى أسابيع، أو اشهر، أو سنوات، بما يصل بالمحتجزين إلى ذروة الإمتهان،ومسخ الهوية الوجودية، ويصبح الإنتظار عذاباً نفسياًتتحول بفعله الدقائق والساعات إلى وخزاتمؤلمة، ومحنة أشد من محنة السجن لمدة معلومة.
لقد أعقب عرض الأوبرا نقل رسائل اعلامية إلى دوائر القضاء والسياسة، انعقدت عل إثره حلقات نقاشحضرها قضاة ومدراء سجون وعلماء نفس وإعلاميون، من أجل إعادة النظر بموضوع الحبس الاحتياطي.
كتب الناقد الموسيقي لودفيج فان ميخيلين في منصة Classic Centralإلى من يهمه الأمر: “أرجوكم أنتكرروا عرض هذا العملالمهم، وان تكلفوا مؤلف الموسيقى بانتاج أوبرا جديدة، لإنها شكل جديد منالأوبرا يعتمد على ثراء الموسيقى “.
هكذا يثبت الفن الصادق، بالإضافة إلى دوره في ترسيخ القيم الجمالية، أنه يمكن أنيتحول إلى صرخةمدوية قد تتسبب بتغييرات اجتماعية أو سياسية أو قانونية، من أجل حياة إنسانية أفضل وأجمل، وأقلألماً.
