ما لم يُكتب بعد
للشاعر عبد السادة البصري
بقلم: ناظم ناصر القريشي
حين تكون الروح معركةً لا مرثية
ثمة نصوص لا تُقرأ بوصفها كتابة فحسب، بل كأنها اختبارٌ صامت لما تبقّى من الضوء داخل الإنسان. وقصيدة “أصفى من البياض” للشاعر عبد السادة البصري تنتمي إلى هذا النوع؛ فهي لا تبدو منشغلةبالبلاغة بقدر ما تبدو منشغلة بالنجاة، أو بما يشبهها على الأقل.
ليست القصيدة مرثية واضحة، ولا هي انتصار أيضاً. ربما هي شيء بينهما، أو خارجهما تماماً. إنها أقربإلى مذكّرات روحية كُتبت بلغة تميل أحياناً إلى الصمت أكثر من البيان، كأنها تحاول أن تمسك بما لايُمسك: إمكانية البقاء دون تشوّه.
ولعل ما يجعل هذا النص قابلاً للإنصات إليه أنه لا يقدّم نفسه مكتملاً. كل جملة فيه تقف عند حافةمعنى، ثم تتراجع قليلاً، أو هكذا يبدو لي على الأقل. وكأننا أمام كائن لغوي يعيش قلق التأرجح بين الرغبةفي الانطفاء، وإصرار خافت على البقاء.
جغرافيا الذات
يبدأ النص بلحظة فرز داخلية لافتة:
“الاخرون… افردتُ لهم صفحةَ القلبِ وتركتُ للروحِ بياضاً“
يمكن قراءة هذا التمفصل كنوع من إعادة توزيع داخلي للجراح، لكن هذا التفسير نفسه يبدو ناقصاًأحياناً. القلب هنا يشبه مساحة مكشوفة للعالم، شيء يشبه الصفحة التي تُكتب عليها التجارب دوناستئذان. أما الروح، فليست بالضرورة نقاءً مستقلاً، ربما هي مجرد منطقة لم تُكتب بعد، أو لم تُمسّكثيراً.
وأحياناً يخطر لي أن البياض ليس قيمة جاهزة، بل “تأجيل” للكتابة نفسها. ليس طهراً مكتمل الشكل، بلاحتمالاً لم يقرر شكله بعد. لا أقول هذا بثقة كاملة، لكنه احتمال يرافق القراءة ويجعل النص أكثرإنسانية.
التجرجر نحو البياض
يتحرك النص داخل إيقاع لا يبدو أنه يتجه إلى مكان محدد:
“أسيرُ.. أسيرُ.. أسيرُ.. لا أدري إلى أين؟ متى؟ كيف؟“
السير هنا لا يشبه حركة واضحة بقدر ما يشبه استمراراً داخل ضباب. وربما لا يكون الضباب خارجياً فقط،بل داخلياً أيضاً. هناك شعور بأن الحركة ليست اختياراً خالصاً، لكنها ليست قسراً كاملاً أيضاً. شيء بينالاثنين، يصعب تحديده بدقة.
وثمة فعل واحد يستحق أن نتوقف عنده طويلاً، وهو فعل “أتجرجرُ“. يقول الشاعر:
“لكنّي اتجرجرُ مفتوناً ببياضي“
في العادة، يرتبط “البياض” في مخيلتنا بالخفة والنور. لكن الشاعر يقترنه بفعل “التجرجر” الذي يحملدلالات الثقل والسحب القسري على الأرض. هذه المفارقة اللافتة –إن صح التعبير– تخبرنا بأن الحفاظعلى النقاء ليس صعوداً ملائكياً سهلاً، بل هو حملٌ ثقيل. الشاعر لا يطير، بل “يتجرجر” تحت وطأة جاذبيةالعالم الساقط، ومع ذلك يظل “مفتوناً” ببياضه. ماذا يفعل بياضُ الروح بجسدٍ يُسحب على الأرض؟سؤال يظل معلقاً.
ويتجلى هذا التوتر أيضاً في تكرار الذهول:
“مذهولاً منها.. منه.. منهم.. من القلب“
تتوزع الصدمة على جهات متعددة، كأن مصدرها غير قابل للتثبيت. الضمائر تتداخل وتنسحب دونتحديد حاسم، مما يمنح التجربة بعداً وجودياً؛ فالأذى لم يعد مرتبطاً بشخص بعينه، بل أصبح إحساساًواسعاً يصعب رده إلى سبب واحد. وأحياناً أجد نفسي أقرأ هذا التعدد كنوع من التباس أكثر منه تفسيراً،وهذا جزء من جمال النص.
وفي سياق آخر يقول:
“أصغيتُ.. أصغيتُ.. أصغيتُ حتى ملّني الصمت“
الصمت هنا لا يبدو غياباً، بل حضوراً يثقل السمع نفسه. كأن الإصغاء الطويل لا ينتهي إلى وضوح، بل إلىشيء يشبه الإرهاق. اللغة هنا لا تفسر التجربة، بل تسجل ارتجاجاتها الداخلية.
الزمن المعكوس
من أكثر عبارات القصيدة كثافة وعمقاً قوله:
“وإلى الآن.. تتوارثني أحلامي“
هنا يحدث انقلاب لطيف وجذري في اتجاه الزمن. فالإنسان عادةً هو وارث أحلامه، لكن الشاعر يقلبالمعادلة؛ لتبدو الأحلام هي التي ترثه وتستبقيه داخل مسارها. وكأن الذات تغدو محطة عابرة في عمرالحلم، لا العكس.
هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تفتح سؤالاً غير محسوم: من يقود من فعلاً؟ الشاعر لا يبدو مالكاً للحلمبقدر ما يبدو مأخوذاً به، أو محمولاً داخله. ولا أظن أن هناك إجابة واضحة هنا، لكن طرح السؤال بحدذاته يغير طريقة قراءتنا للنص.
عنقاء بلا نار
تبلغ القصيدة ذروتها الدرامية عند استدعاء رمز “العنقاء“:
“ذُبحتُ كثيراً.. صُلِبتُ كثيراً.. شُتمتُ كثيراً وفي كل مرة أنهضُ كالعنقاء“
غير أن الجمال الحقيقي لا يكمن في صورة الانبعاث، بل في تفكيك الشاعر للأسطورة –أو هكذا أفهمهاأنا–. فالعنقاء تنبعث من رماد احتراقها، أما شاعرنا فينهض بعد “ذبح” و“شتم” و“صلب“؛ أي بعد أفعالقذرة ومهينة يفرضها “الآخر“. ولعل ما يلفت في هذا المقطع أن الذات تستطيع أن تنهض وتتجدد ليسبسبب طقوس التطهير، بل رغم القذارة التي مُنيت بها.
وهنا يضع الشاعر معياره الصارم للنقاء:
“أرضى جداً أن تُذبح أحلامي لكني لن أقبل لها أن تُلوث“
هو يفصل بذكاء بين “الموت الفيزيائي أو المعنوي للحلم” (الذبح)، وبين “الموت الأخلاقي” (التلوث). الشاعر يتقبل الفجيعة بوصفها قدراً، لكنه يرفض المساومة. النقاء هنا يتحول من حالة شعورية إلىقيمة وجودية. هذا الفهم لا يبدو قاطعاً، لكنه يظل قابلاً للتأمل بشدة.
من الزبد إلى الجوهر
في الخاتمة، يصل النص إلى هدوء عاصف:
“ذهبَ الاخرون جميعاً.. تلاشوا.. كانوا زبداً وبقيت روحي بيضاء.. بيضاء.. بيضاء“
الزبد يعلو ثم ينحسر. والماء يبقى.
وعنوان القصيدة نفسه “أصفى من البياض” يخفي مفارقة جميلة؛ فالبياض أقصى درجات الصفاء، لكنالشاعر يطمح لما وراء الأقصى. وكأن البياض ليس نقطة وصول، بل طريق لا ينتهي. الصفاء هنا لا يبدوحالة تُنجز، بل مساراً لا يتوقف.
وصية الضوء
في النهاية، لا تقدم لنا قصيدة عبد السادة البصري النقاء بوصفه هروباً من العالم، بل بوصفه قدرة علىالعبور فيه دون الذوبان الكامل داخله. لقد تلاشى الآخرون كما يتلاشى الزبد، وبقيت الروح شاهدةً علىانتصار صامت.
لعل أجمل ما تتركه هذه القصيدة أنها لا تعطينا جواباً حاسماً، بل تتركنا واقفين على حافة الضوء،متأملين ذلك البياض الذي يظل أبعد قليلاً من كل محاولة للقبض عليه. إنها تذكرنا بأن المعجزةالحقيقية ليست في ألا نتألم، بل في أن نظل، رغم كل الجراح، أصفى من البياض.
وربما في هذا السؤال تحديداً، تنتهي القصيدة دون أن تنتهي: كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بشيء منصفحته الأولى، وسط كل ما يُكتب عليه؟ لا أعرف إن كانت القصيدة تجيب، أو حتى تحاول الإجابة. لكنهاعلى الأقل تترك هذا السؤال مفتوحاً، وهذا وحده كافٍ ليظل النص حياً.
القصيدة
أصفى من البياض
عبد السادة البصري
الاخرون…افردتُ لهم صفحةَ القلبِ
وتركتُ للروحِ بياضاً
لازمني وهمي ملازمةَ الروحِ للجسد
تدفّأتُ بالحنين ، واصغيتُ .. أصغيتُ ،،
اصغيتُ حتى ملّني الصمتُ
داخلي اصواتٌ تخنقني
مذهولاً منها
مذهولاً منه
مذهولاً منهم
مذهولاً من القلب
البياضُ يتلبّسني
السوادُ عيوني،،،،وعيوني السواد
الفضاءُ الملبّد بالمتاهات ،، الكؤوس ،،الحكايات ،،الأقاويل ،،،
يجبرني على التحرّك
لاأدري الى أين ؟؟
لكنّي اتجرجرُ مفتوناً ببياضي
صفحةُ القلب اتسخت ،، لوّثها الاخرون ،،العابثون ،، الحاسدون ،،الحاقدون ،، المرضى النفسيون ،،، عاثوا بها
وظلّت الروحُ تنضحُ بياضاً
حُلُماً عشتُهُ ، قبعتُ فيه ردحاً
والى الان …. تتوارثني احلامي
منهكة ،، متهرّئة .. خائرة العزائم
لكنّني أسيرُ .. اسيرُ .. اسير ُ ،،،
أسيرُها دوماً ولاأدري ..
الى اين ؟؟؟؟؟
ومتى ؟؟؟؟؟؟
وكيف ؟؟؟؟؟؟
ذُبِحْتُ كثيراً
صُلِبْتُ كثيراً
شُتِمٔتُ كثيراً
وفي كلّ مرّةٍ
أنهضُ كالعنقاء كثيراً
ارضى جداً،،، أن تُذْبَحَ احلامي
لكنّي،،، لن أقبلَ قطّ لها أن تُلَوّث
ماتلوثتُ ..
ابداً لم أستعرْ وجهاً ،،
ظلّ …حُلُمي ، قلبي ، روحي ،،، في صفاءٍ تام
ذهبَ الاخرون جميعاً
تلاشوا ،،
كانوا زَبَداً،،،
وبَقِيَتْ روحي بيضاءَ
بيضاءَ ..
بيضاء ،،
لأبقى أصفى من البياض دائماً !!
