المحرر السياسي للمستقل:
الفريق الدكتور الركن محمد العسكري.
في الأيام الأخيرة، وبالتزامن مع انعقاد قمة حلف الناتو في أنقرة، بدأت مواجهة الشوط الثالث في صراعالإرادات والسعي لإحباط استراتيجية طرف على حساب طرف آخر، ضمن حسابات دقيقة ناتجة عندراسات معمقة لما حدث من مواجهات سابقة، وكيف كانت نتائجها، وما هي حسابات الربح والخسارة،و المكتسبات لكل طرف، وكيف نفذت استراتيجية الردع الأمريكي
وما قابلها من استراتيجية ايرانية تتمثل في الصمود والاحتواء.
ومن حقق أهدافه؟ وكيف ستقرأ التفاصيل الدقيقة للمواجهة الثالثة بين الأطراف المتصارعة؟
قراءات مختلفة .
1- قراءة في الاهداف الأمريكية.
في العقيدة العسكرية الأمريكية هناك بعض الثوابت وقناعات راسخه لسياقات العمل في مفهومهم انالدولة القوية هي التي تدير معاركها خارج أراضيها ونفوذها. وترى الولايات المتحدة الأمريكية فيموافقتها على المصادقة على مذكرة التفاهم مع إيران، لأنها تسعى لكسب الوقت من أجل ترميم الأضرارالعسكرية والاقتصادية التي نتجت عن المواجهات السابقة. فهاجسها الأهم هو فتح مضيق هرمز ولو كانلمدة (60) يومًا أمام البواخر والسفن التجارية، وضمان تدفق البترول إلى الأسواق العالمية، الذي أدىإلى خفض أسعار الطاقة، مما قلل من الضغوطات الداخلية التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية، وكذلكالضغوطات الدولية الأوروبية والخليجية ومن دول شرق وأواسط آسيا، نتيجةً لارتفاع الأسعار إلى أرقامقياسية.
وكذلك سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة تقييم ما حققته من أهداف عسكرية، وهل حققتما رسمت إليه قبل المواجهة؟ بالتأكيد لم تحقق جميع الأهداف. فالقيام باغتيال القيادات السياسيةوالعسكرية من الصف الاول وتدمير معظم البنى التحتية الصناعية
وكذلك تطبيق حصار بحري صارم على الموانئ والسواحل الإيرانية وعلى معظم المنافذ التجارية مماادى الى خسائر اقتصادية باهضة . واستفادت من الفترة وقف إطلاق النار بتفعيل وتسريع معاملهاالصناعية لإنتاج الذخائر وسد النقص الحاد في جبهات القتال، والحاجة الملحة للطلب على الذخائر منقبل بعض حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك على أسلحة الدفاعات الجوية من قبل الكيانالصهيوني الذي يعاني في جنوب لبنان، وكذلك الطلبات المتزايدة والمتكررة من أوكرانيا لمواجهة القدرةالصاروخية والجوية الروسية الهائلة، ومطالب دول الخليج العربي لحماية منشآتها من الاستهدافالإيراني، ومطالبتها الشديدة بدفاعات جوية ومضادات للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لحمايةمنشآتها الحيوية وخاصة الكويت والبحرين والأردن. وكذلك استطاعت الإدارة الأمريكية من استغلالعامل الوقت بتنفيذ نظرية التقنية المضادة المتضمنة كشف أساليب المخادعة والمناورة الإيرانيةبالتوازي مع القيام بعمليات المضاربة المعاكسة من أجل إحباط مناورات ومراقبة تقنياتها المستحدثةوإجبار وإحباط مساعي إيران نحو كسب الوقت لاستكمال استعداداتها القتالية، وإحباط أيضًا محاولةالحصول على المساعدات من حلفائها والعمل على تقويض مصادرها الاستخباراتية المختلفة. 2- قراءات في الأهداف الإيرانية.
ترى إيران في موافقتها على مذكرة السلام التي أبرمت في سويسرا مؤخراً، أنها قد تحقق مكاسب جديدةلم تستطع الحصول عليها في اتفاقية عام (2015) الموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتتمثل هذهالأهداف برفع الحصار التدريجي، وإطلاق الأموال المجمدة، والضغط على الولايات المتحدة الأمريكية،بردع نتنياهو ومنعه في الاستمرار بضرب المقاومة اللبنانية، واحتلال الجنوب اللبناني. وأهم ما يعنيها هوكسب الوقت لترميم بنيتها الصناعية والاقتصادية والاستعداد لأي مواجهة قادمة من خلال اعادة تفعيلمنتجاتها الحربية وتعويض ما خسرتَه من منصات ومعامل، و إخراج منصات الصواريخ المدفونة تحتالأرض سابقًا لإعادة تشغيلها، وجعلها مطرقة جديدة قد تستفاد منها في المفاوضات القادمة، وإصرارهاعلى استثمار التحكم بمضيق هرمز وإدارته لغرض فرض واقع جديد بالسيطرة عليه. والحصول علىجباية وأموال من خلال استعمالها لمصطلح جديد وهو خدمات الحماية في المضيق لتعويض الخسائرالتي نتجت عن الحرب، والتخلي بذلك عن مطالبتها لأمريكا بتعويضات مالية لإعادة بناء البنى التحتيةالإيرانية، وتعتبرها كبادرة حسن نية للتنازل عن هذا المطلب في المفاوضات القادمة، واستبدال المطالبةبالتعويضات الأمريكية بالجباية في مضيق هرمز من خلال تقديم الخدمات لعبور السفن والبواخرالتجارية، واستثمار عامل الوقت لترميم الداخل ورص الصفوف من جديد.
وتعمل إيران وفق نظرية التمويه الاستراتيجي، وهو عدم التعبير والإفصاح عن النيات والأهداف الحقيقيةلعملها الاستراتيجي أمام خصمها وأبقاء الأهداف الحساسة والمهمة قيد الكتمان، وعدم إظهار نقاطالضعف من خلال إدارتها للمفاوضات بكتمان شديد، حيث لا يعلم الوفد المفاوض الامريكي
من هو صاحب القرار النهائي في المفاوضات، ومن يحكم فعليًا في إيران، هل هو المرشد الأعلى أمالحرس الثوري أم الحكومة المنتخبة أم وزارة الخارجية أم رئاسة البرلمان الإيراني؟ هذه استراتيجيةالتمويه التي اتبعتها إيران لتشتيت أفكار المقابل وجعله يلهث وراء سراب الحلول الدبلوماسية.
إن هذه المناورة، باعتقاد الإيرانيين، تؤدي إلى التلاعب بأنفعالات وقرارات القيادة الأمريكية، وتصعددرجات الغضب، وتجعلها تفكر بخيارات أخرى لاعتقادها بأن هذا الأسلوب يجبر المقابل. فقدان توازنهوتركيزه في اتخاذ القرارات المهمة، أي بمعنى مبسط بأن مبدأ المراوغة هو مبدأ لتجنب خصم قوي يفوقبقدرات عسكرية هائلة وإمكانيات كبيرة.
وإيران تعتقد بأن ورقة مضيق هرمز هي الورقة الأقوى، وقرار عدم التنازل عنها سيجنبها الخوض بعمقفي ملفات عديدة مثل البرنامج النووي ورفع الحصار والإفراج عن الأموال المجمدة وإنهاء الاعتداءاتالإسرائيلية والاعتداءات على لبنان وغيرها.
3- قراءات أهداف دول الخليج العربي ولبنان.
تعمل هذه الدول وفق مبدأ الحرب التي لا تستطيع كسبها، أعمل بكل شيء لتجنبها، والجوء إلىالدبلوماسية والتفاوض قدر الإمكان، والبدء بالتهدئة وتكون وسيطًا في إنهائها. و تحاول هذه الدولاستخدام مهارة العقل. مستندة على الذكاء والخبرة والقدرة على التحليل والتقديرات المفيدة لتجنبالعواقب، والاستمرار في ممارسة سياسة ضبط النفس، وعدم الانجرار لمستنقع الحرب مع الاحتفاظبقدراتها السياسية والدبلوماسية ، وحق الدفاع عن النفس بالتصدي وليس بمحاولة الرد بهجماتمقابلة على الاستهدافات العسكرية. وتدرك جيدًا أنه ليس هناك ضمان مؤكد حول كسب نتائج الحربمن قبل الولايات المتحدة الأمريكية مقابل تواجد إيران الجغرافي الدائم مع محيطها.
أسباب التصعيد واستخدام القوة.
أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن فترة الهدنة الـ (60) يومًا قد تشارف على الانتهاء، وأن ما تمتحقيقه في مذكرة التفاهم لن يشفي غليلها بالحصول على نصر واضح.
يختلف عما حققه الديمقراطيون في عهد أوباما عام 2015، وأن استمرار إيران في التحكم بمضيق هرمزأمر لا يطاق لكبرياء أمريكا، فعملت على أسلوب . اختارت توقيتاته بدقة متناهية وبذكاء وخبث. فعملتعلى استغلال وجود الرئيس الأمريكي ترامب في مؤتمر قمة قادة الناتو في أنقرة، وهو محاط بزعماءالدول الأوروبية، كنوع من استعراض القوة الأمريكية أمام قادة الحلف، ولإظهار أن أمريكا ما زالت القوةالعظمى في العالم، فإنه من السهل الحصول على قرارات صعبة وحاسمة تتخذ تجاه إيران. ولأجل جسنبض ردود الفعل الإيرانية في مضيق هرمز، تم السماح لسفينتين محملتين، واحدة بالغاز والأخرىبالبترول، قطرية وسعودية، بالإبحار في الممر المائي الدولي الذي لم تحدده إيران كممر آمن، وعدمإعطاء الإذن من قبلها.
ويبدو أن هذا الاجراء من قبل الإدارة الأمريكية يسعى ال جس نبض ردود الافعال إلايرانية. فإن لم تعترضإيران السفن، فإنها بكل تأكيد رضخت للقرار الأمريكي وستخسر ورقة المضيق في المفاوضات القادمة . وإن اعترضت ايران السفن برداً عسكري، وهذا ما حدث، وهذا اعطاه المبررات لأمريكا لشن ضربات على أهداف جديدة في إيران. وذلك بقيامها خلال يومين متتاليين بقصف أكثر من (60) هدفًا في اليوم الأولكما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، وفي اليوم الثاني (90) هدفًا، وشملت مناطق في بندر عباس وأبوموسى وجزيرة خارك، وكذلك في شمال إيران، ضرب جسري سكة الحديد في منطقة “آق قلا” ، وضربمعظم الأهداف العسكرية على الساحل الايراني المطل على الخليج العربي وبحر العرب .
