الهذر المسرحي ….بين فوضى الضياع الفني وخطف صوت الإبداع

بقلم الدكتور محمد حماد
يمكن أن نوجز ظاهرة الكلام المرتجل بغير علم في لفظ واحدهو (الهَذَر)؛ نطق بلا نظام، وحديث بلا روح، جمل متناثرة لايربطها منطق، كغبار تذروه الريح. وقد عبّر المثل الشعبيالعراقي عن ذلك بعبارة (يخوط بصفّ الاستكان)، دلالة علىعبث القول وضياعه. ومن هنا يتجلّى (الهذر المسرحي) بوصفهجرأة سطحية تقود إلى تيه فني، تُترك فيه الخشبة أسيرةفوضى بلا روح ولا ملامح.
لم يعد غريبا أن نرى أقلاما تقتحم ميدان النقد المسرحيبجرأة برّاقة، لكنها سرعان ما تنطفئ قبل أن تضيء جوهرالفن. أقلام تتهافت بزهو أجوف يخفي وراءه فراغا معرفياوجمودا جماليا. إنها ثقة بلا رؤية، واندفاع بلا وعي، تتحرك فيفضاء النقد خاوية من المناهج والأدوات، فتصير كتاباتها أقربإلى انطباعات شخصية عابرة منها إلى قراءة واعية. تتوالىالسطور باردة، مثقلة بالركاكة، لتخون رسالة المسرح وتفقدصلتها بروح الإبداع. ويقوم خطاب هؤلاء على منهج منالضياع، حتى يغدو (الهَذَر المسرحي) كسحابة داكنة تحجبالرؤية النقدية، وليس الأمر مقصورا على المقالات، بل يتفاقمحين يعتلي أصحابه المنابر، متدثرين بهالة من يقين مصطنع،يتحدثون بجرأة من لا يعرف، فيفرضون آراءهم كأنها حقائققاطعة. وهنا يلتبس على السامع غير المتخصص أن ما يسمعهخلاصة علم راسخ، بينما هو مجرد اجتهاد هائم بلا بوصلة،وكلام عابر يلهو على خشبة المسرح خاليا من الوعي الجمالي.ولهذه الظاهرة صور متعددة؛ مقالات انطباعية تختزل النقد فيإعجاب أو نفور، خطابات مراوغة تتقن ارتداء أقنعة الكمال، لغةمتهافتة تتلاعب بالمصطلح الفني، تحرّفه عن مقصده لتخدمنزعة شخصية عابرة. وهكذا يتحول النقد إلى قيود تكبّلالإبداع وتسرق صوت المسرح الأصيل، فيغيب الجوهر تحتركام الثرثرة، إنه تحوّل خطير يهدد كيان المسرح حين تتقدمالمنصّات لأصحاب اللسان على حساب أهل الفن، ويستبدلتحليل الرؤية الجمالية بجدل عقيم حول تفاصيل هامشية،فيضيع الجمهور بين الرديء والجيد بلا معايير واضحة، ويبلغالخطر مداه حين يعيق هذا الهذر نموّ الحركة المسرحية نفسها؛فالنقد الجاد هو مرآة التجربة وميزانها، وبدونه يُحرم المسرحمن التطوير والمراجعة، أما ما يمارسه الهاذرون فليس سوىبهلوانية لفظية قد تثير ابتسامة عابرة لكنها لا تمنح بصيرة. وهكذا يغدو المسرح أسيرا لألفاظ خاوية تُلهي المعنى وتطمرالرسالة الإبداعية.
إن ظهور هذه الظاهرة ليس طارئا؛ بل هو ثمرة مُرّة لسياقثقافي وإعلامي أزاح النقد الأكاديمي الرصين جانبا، وفتحالمنابر لكل من امتلك جرأة القول لا عمق الفهم. وتضاعفالخطر مع طوفان وسائل التواصل وثقافة الرأي السريع، حيثصار كل من يملك هاتفا نقالا ناقدا يطلق أحكامه الفورية،مستندا على ركيزتين؛ أماني تتلألأ في صدى المكسب القادم،وتصفيق وإعجابات تتراقص كأصداء في صالة العرضوخارجها، غافلا عن ضوء التحليل المتأنّي الذي يكشف سرّالجوهر الإبداعي. وتفاقم الالتباس بين الناقد والمراجع والمعلّق،فغدا الجمهور أكثر قابلية لابتلاع الخطاب الهاذر لأنه أسرعاستهلاكا وأبسط طرحا، ولم يكن الوسط المسرحي بريئا منهذا التردي؛ إذ يُستغل الهذر أحيانا ستارا لمحسوبيات أوخلافات شخصية، فيما يدفع ضعف المقابل المادي للنقادالجادين بالكفاءات إلى الانسحاب، تاركة الساحة لثرثرة عقيمةتملأ الفراغ وتخنق المشهد المسرحي. في المقابل، فإن النقدالمسرحي الحقيقي هو إبداع مواز للفن ذاته، ينهض بالعملوالفنان والجمهور معا، ويقوم على أدوات دقيقة ورؤية متجذّرة؛هو حوار خلّاق يشتبك مع النص والعرض ليكشف طبقاتهالجمالية والفكرية، وهذه الرسالة لا يتحمّلها الناقد وحده، بلالوسط المسرحي بأسره؛ فعلى النقاد أن يمدّوا جسور الحوارمع الجمهور، وعلى المؤسسات الثقافية أن ترفع معاييرها وتفتحصفحاتها للنقد الجاد، وعلى الجامعات أن تخرّج أجيالا تمتلكأدوات النقد ومناهجه، وعلى الجمهور أن يرتقي بذائقتهليُحسن التمييز بين النفيس والزائف، فالمسرح ليس جسدا بلاروح، بل منبر للحقيقة وفضاء للجمال. وحين يهدر الهاذرونكلامهم بلا وعي، فإنهم يختطفونه من بين يدي الإبداع. أماالنقد الحق فهو شعلة تضيء الطريق وصوت يصدح بالحقوالجمال، يعيد للمسرح بهاءه ومكانته، فلنصن قدسيته، ولنحمهبسياج من البصيرة، ولنجعل من الكلمة شعلة تهدي العائدينإلى ينابيع الجمال، حتى يشرق المسرح من جديد، مطهَّرا منضجيج الهذر، ومفتوحا على شاطئ الإبداع، حيث لا مكان للصمت الخانع ولا للثرثرة الجوفاء


مشاركة المقال :