ميزانيات ضخمة ونتائج صفرية

..أ.هاشم ذياب الجنابي

في كل مرة يرتدي فيها “أسود الرافدين” قميص الوطن، يخفق قلب الشارع العراقي من زاخو إلى الفاو، وتتجه الأنظار نحو المستطيل الأخضر بحثاً عن فرحة تائهة وسط ركام الأزمات. لكن الخروج المر والمخيب من المونديال الأخير لم يكن مجرد كبوة جواد أو خسارة فنية يمكن تبريرها بـ “سوء الحظ”؛ بل جاء ليكشف عن فجوة عميقة ومريرة بين ما يُنفق خلف الكواليس، وبين ما يتحقق من نتائج على أرض الواقع. العنوان الحقيقي لهذه المرحلة باختصار هو: ميزانيات ضخمة.. ونتائج صفرية.

الأرقام الفلكية وواقع “الصفر”

لسنوات طويلة، كانت الحجة الجاهزة لتبرير تراجع الكرة العراقية هي “قلة الدعم المالي” وغياب البنية التحتية. لكن في السنوات الأخيرة. ضخت الحكومة والمؤسسات المعنية ميزانيات فلكية. ورُصدت أموال طائلة لرواتب الملاكات التدريبية الأجنبية. والمعسكرات الخارجية. وتجهيز المنتخب بأعلى المستويات.

ومع ذلك .أثبتت المحصلة المونديالية أن الأموال وحدهـا لا تصنع مجداً إذا غابت الرؤية. لقد تبخرت ملايين الدولارات في دهاليز العقود الاستشارية. والرحلات الإدارية، والمجاملات، لينتهي المطاف بمنتخب عاجز عن مجاراة فرق كانت إلى وقت قريب تخشى مواجهة الكرة العراقية. هذا التناقض الصارخ يضع علامات استفهام كبرى حول آلية صرف هذه الأموال والجدوى الاقتصادية والرياضية منها.

إن أزمة المنتخب الوطني اليوم لم تعد أزمة مواهب، فالعراق ولاّد للنجوم، ولم تعد أزمة إمكانيات مادية بعد الطفرة المالية الأخيرة. الأزمة الحقيقية هي أزمة إدارة واستراتيجية. عندما تتحول الميزانيات الضخمة إلى وسيلة للمظهرية الإعلامية والترضيات الحزبية أو الشخصية، بدلاً من استثمارها في بناء قواعد رصينة، وتطوير دوري المحترفين، والاهتمام بالفئات العمرية، تصبح النتيجة الطبيعية هي الفشل عند أول اختبار حقيقي في المحفل الدولي.

الشارع العراقي اليوم لا يسأل عن خطة المدرب أو تكتيك اللاعبين بقدر ما يسأل: أين ذهبت أموال المونديال؟ وكيف لبلد يمتلك هذا الزخم المالي والجماهيري أن يعود بخفي حنين، تاركاً جماهيره الوفية تعتصر ألماً على حلم كان متناول اليد؟

نحو ثورة تصحيح ورقابة حقيقية

إن هذا الإخفاق المونديالي يجب ألا يمر مرور الكرام كسابقاته. مجلس النواب والجهات الرقابية أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية لفتح “الصندوق الأسود” للميزانيات الرياضية، ومحاسبة المقصرين الذين تعاملوا مع الرياضة كـ “صفقة تجارية” وليس كمشروع وطني يمس كرامة وسمعة البلد.

لقد حان الوقت لإنهاء عهد العشوائية والمحاصصة في إدارة الملف الرياضي. العراق بحاجة إلى عقليات تخطط للمستقبل، وتستثمر الأموال في مكانها الصحيح، ليعود “أسود الرافدين” إلى مكانهم الطبيعي، ولتتوقف منظومة “الهدر المالي” التي لم تنتج للجمهور سوى الخيبات والوعود الزائفة.


مشاركة المقال :