(رفــقــاً) للشاعرة نـجـوى جـمـعة : نـداءٌ يـتـيـم عـنـد حافـة الـجـسـد

محــمـد الــكـــلابـــي

تولد بعض الصور في العين خبراً، ثم تستقر في الوعي كشوكة عمياء تفتش عن اسم. صورة مريم فرج الله، الطفلة الفلسطينية ذات الأعوام التسعة، التي غيّب القصف أمها وشقيقتها وانتزع جزءاً من بنيتها الحية، تقف بطرفها الصناعي أمام ماء البحر للمرة الأولى؛ وقوفاً يجرح اللغة قبل أن يطلب تفسيراً. ومن هذه الحيرة الجسدية تكتب الشاعرة نجوى جمعة قصيدتها “رفـقـاً” سالكةً طريقاً أبعد من تحويل الحدث إلى مرثية؛ تجرّد المشهد من صخبه المألوف، وتترك القصف خلف الستار، لتضعنا أمام لحظة أصغر وأشد قسوة تتأمل الملح وهو يقترب من الحديد:

“ترفق أيها الملح

بحديد ساقي”

وما يكشفه الاختيار الشعري الأول في القصيدة يتجاوز هذا كله؛ فـ “رفقاً” التي تفتتح بها الشاعرة الفلسطينية نصها تحمل في بنيتها اللغوية فلسفة كاملة عن الألم بعد انتهاء الحرب.

القصيدة تقدّم الطلب قبل سببه، والحاجة قبل شرحها، والجرح قبل السكين؛ فيسمع القارئ “رفقاً” قبل أن يعرف بمن وبماذا، فيدخل منذ الكلمة الأولى في انتظار موجع. وحين تأتي التفاصيل لاحقاً تكون قد استقرت في القلب قبل أن يستعد العقل لاستقبالها. ثم إن “رفقاً” تأتي مصدراً منوّناً، وهذا الانفتاح اللفظي يجعل الطلب أوسع من جهة واحدة؛ فالطفلة تستدعي رفقاً يتسع لكل ما سيقترب من موضع الجرح.

ثم يأتي العصيان الندائي المقصود؛ إذ تُوجَّه صيغة الخطاب إلى الملح والموج والحديد، في ما يمكن تسميته تأنيب المادة الصامتة. الطفلة تخاطب الملح لأنه أول مادة تصل إلى موضع الوجع، بعد أن انسحبت الجهة التي صنعت الجرح إلى عتمة لا يبلغها الخطاب. وهنا تطرق نجوى باباً قلّما اقتربت منه قصائد الحرب؛ فالضربة الأولى جاءت من يدٍ معروفة، ثم أخذت الأشياء الصغيرة توقظ أثرها كل صباح: ملحاً، وموجاً، وثقلاً في الأرض. هذا هو ما بعد الجريمة الحسية؛ حين يغيب الفاعل وتبدأ الأشياء في حمل أثره. فـ رفقاً كلمة مفتوحة على الأبد، ومأساتها أنها تُقال عند حافة تلامس ولا تسمع؛ فالملح بلا أذن، والموج بلا ذاكرة، والبحر يواصل ارتطامه ببراءة جارحة، كأنه لم ير اليد التي سبقته إلى الجسد.

ومن هذا النداء المفتوح على المادة تمضي القصيدة نحو الطرف الصناعي بوصفه مركز اللمس الجديد؛ فالساق المستحدثة تغادر معناها الطبي الضيق، وتتخذ هيئة موضعٍ تتجمع فيه آثار العنف ببرودة الحديد وثقل الذاكرة. يحمل المعدن ما فاض على طاقة اللحم، ويجعل الجسد يدخل الأشياء بحذرٍ جديد، حيث تصير الملامسة امتحاناً صغيراً، ويغدو الاقتراب معرفةً تتعلمها الذات عبر اللسعة والوزن والاحتكاك.

“فما عدتُ أقاس بخفّةِ خطوي،

بل بثقلِ ما نجا منه.”

وهذه الحركة الوجودية تتحول من تدريب يومي على ساق ميكانيكية إلى شهادة، فالطفلة تمشي ومعها ما لا يظهر في الصورة؛ الخوف العالق، ذاكرة القصف، بقايا البيت، أسماء الغائبين، وارتباك الأرض تحت القدم الجديدة، لتخرج النجاة في هذه الأسطر مثقلةً بما أفلت من الفناء؛ حجراً صغيراً يستقر في داخل الخطوة ويمنح الرمل معنى آخر:

“كنتُ يومًا احتمالًا خفيفًا

يمرّ فوق الرمل كفكرةٍ عابرة،

أخاف من الموج

لأنني لم أعرف بعد

أن الخوفَ هو ما يمنح

الأشياءَ حدودها.”

ويحمل هذا الاحتمال في طياته غداً مشرعاً، وحين يدخل العنف، يضيّق الممكن، ويجعل الخوف حارساً على باب الإدراك، مانحاً إياه وظيفة هندسية تتحول من ارتعاش نفسي عابر إلى جهاز معرفة تتحدد به الحافة، وبه تُرسم المسافة الآمنة بين الذات الصغيرة وما يقترب منها بعدما فسد الاطمئنان الأول؛ إذ يفقد الاقتراب عفويته القديمة؛ يجيء الموج مشوباً بالإنذار، ويصير الرمل امتحاناً صغيراً لثقةٍ خرجت من العنف مثقوبة، يتجلى في قولها:

“أنا ابنةُ حربٍ

لم تكتفِ بأن تمرّ،

بل أقامت في جسدي

وتركت توقيعها

حيثُ كان ينبغي للبراءة أن تبقى.”

تأخذ الحرب في هذه البنية الحية برتبة السكنى المقيمة؛ فالقصف ينتهي في لحظة خاطفة، بينما الإقامة تستمر في العضلات والأعصاب لتمنح العنف مدة داخلية، وتأتي مفردة “توقيعها” لتجعل هذا الوعاء الإنساني وثيقة مختومة باسم قوة غاصبة تركت أثرها في موضع البراءة، متجاوزة رصد العضو المفقود وتحديد الإصابة الذي تقف عنده لغة الأخبار، لتنفذ مباشرة إلى كتابة اسم الحرب في مساحات الكائن، ملامسة منطقة أعمق تتساءل عن كيفية تحول اللحم الحاضر إلى مكان إقامة للتاريخ:

“هذه الساقُ

ليست نقصًا،

بل فائضُ واقعٍ

لم يحتمله الجسد،

فاستعان بالحديد

كي يواصل المعنى سيره.”

لو تأملنا هذا المقطع ملياً، لوجدنا أن الساق تكتسب معنى أعمق بكثير من مجرد تعويض عجز الحركة، إذ تتحول إلى تجسيد مادي لواقع فاق طاقة اللحم، وقسوة فائضة ألجأت الجسد إلى الاستعانة بمادة أخرى لمواصلة الوقوف، مفسحة المجال لولادة ذلك النسق الوجودي لـ (العضو الشاهد)؛ بوصفه جزءاً مستحدثاً يحمل شهادة الواقع حين يعجز الجلد عن حملها وحده. فبعد الخراب، تنشأ للذات طريقة أخرى في استقبال العالم؛ طريقة يشترك في صنعها الخوف، والحديد، وذاكرة اللمس التي لا تلين، حيث يثبت المعدن في موضع الفقد كشيء يعرف الطريق ويعرف سبب العرج، ليتحول الجوهر في السطر الأخير إلى كائن يمشي، مدفوعاً بحاجته إلى ساق ومعدن يلامسان الرمل، كي يمتلك قدرة حقيقية على اجتياز المسافة.

“وأنتَ أيها الموج،

خفّف ارتطامك،

ليس لأنني أضعف،

بل لأنني صرتُ أسمع في كل ضربة

صدى ما لا يُرى:

انكسارُ الزمن

حين يفقد استمراريته فينا.”

وعندما يطرق الموج الذاكرة، تتحول الضربة المائية بفعل الإنصات الباطن العَميق إلى أداة سمع تجعل انكسار الزمن مسموعاً؛ فالصدمة تعود في هيئة لمسة، رائحة، أو ملح.

وتنمو تداعيات هذا الشرخ عميقاً في تفاصيل الحياة التي كانت تتدرج في البيت والضحك الآمن، ليغدو وقوف مريم أمام البحر امتحاناً لحاضرٍ يحاول أن يمدّ خيطه فوق جرح غائر، كاشفاً ملامح الوعي المصاب من الجغرافيا الداخلية؛ إذ يبدو أن الألم حين يبلغ هذه الكثافة يفرض سطوته الفادحة ليخرس اللغة تماماً ويدفع الكائن نحو الصمت، مفسحاً المجال للقصيدة هنا لتنجز فعلاً حياً يمنح ذلك الوجع الأخرس مواد مادية يتكلم بها، فيتحول الملح والحديد والموج إلى شهود ينطقون بما عجزت عنه الطفلة.

“في صدري ضجيجٌ

ليس صوتًا،

بل تراكمُ ما لم يُعش حتى النهاية،

وفي توازني

ليس خوفُ سقوطٍ،

بل وعيٌ دائم

بأن الأرضَ نفسها

ليست يقينًا.”

لعلنا نلمس هنا كيف يمضي هذا التدفق نحو فضاء تعجز عنه الصورة البصرية، لينقل الفقد من غياب العضو إلى حيز الاحتمالات المقطوعة؛ ضحكات لم تكتمل، وأيام كانت تنتظر أن تكبر، ويتجاوز التوازن هنا رهبة السقوط العابر، ليتحول إلى وعي دائم بهشاشة الأرض وقلقها الوجودي.

ونحن حين نتأمل ارتباك مريم أمام الشاطئ، ندرك عمق ما ذهب إليه موريس ميرلو بونتي في كتابه “فينومينولوجيا الإدراك” حين جعل الجسد طريقتنا الأولى في السكن داخل العالم؛ فالأمر يتعدى مجرد المشي إلى تغير المكان كله بمجرد ملامسة القدم الجديدة، حيث يقترب البحر كأنه امتحان خشن، ويذوب أمان الرمل الأول، وتغدو الأرض مائلة تطلب ثقة شاقة لا تُمنح دفعة واحدة.

“أقف الآن،

لا نصفَ جسدٍ

بل جسدٌ اكتشف حدوده،

ولا نصفَ حكاية

بل حكايةٌ تعي أنها تُروى

من شقٍّ في الوجود.”

يبدو لي أن قيمة هذه الكلمات تكمن في قدرتها على تجريد الكائن من أوهام البطولة، ووضعه أمام حقيقة أهدأ وأقسى؛ حقيقة الحدود التي تنبئه أين ينتهي، وأين يتردد، وأين يفتش عن سند، فالقصيدة هنا تحوّل الشق من مجرد موضوعٍ للحديث إلى الموضع الأصيل الذي يخرج منه نفس القول وصيغته، لتكتمل الحكاية بوعيها وهي تُروى من شق في الوجود، حيث يتلاحم شكل القول ليكون استمراراً طبيعياً لمادته الأولى.

“أقاوم انحناء الريح

لا لأبقى،

بل لأفهم

كيف يمكن للكائن

أن يستقيم

وسط عالمٍ مائل.”

ويتسع الوقوف الفيزيائي ليغدو توازناً أخلاقياً؛ فالريح صورة فضاء كامل فقد اعتداله، وحركة طفلة تحاول الاستقامة تكشف عطباً كونياً يتجاوز جغرافية الجرح الفردي، لنقف أمام سؤال كوني يدور حول كيفية استقامة هذه البنية الهشة حين تميل الجهات كلها. المقاومة هنا محاولة لاستخراج معنى من عالم مائل؛ فالوقوف نفسه صار طريقة في التفكير:

“كلما لامستني

لا أستعيد قدمًا،

بل أستعيد فكرة الجسد

كما كان يُتوهم:

كاملاً،

منسجمًا،

وبلا ذاكرةٍ تجرحه.”

ويصيب هذا الوعي غفلتنا القديمة؛ فالسقوط هنا هو سقوط لأسطورة الانسجام الثابت، والإنسان قبل الإصابة يعيش في غفلة رحيمة؛ يمشي ولا يتذكر القدم، ويضحك ولا يراقب توازن صدره، لكن العطب يوقظ الموضع الجغرافي الداخلي كله، ويجعل اللحم حاضراً بكثافة جارحة تنقل الفقد من مستوى العضو إلى مستوى الصورة الداخلية؛ فقدان وهم كامل عن الذات بوصفها بنية مبرأة من الذاكرة.

“كان الضحكُ يومًا

فعلًا بلا سبب،

أما الآن

فهو أثرٌ بعيد

لشيءٍ كان ممكنًا

ولم يعد.”

وتتجاوز الشاعرة نجوى جمعة حدود الجرح المرئي في الساق والحديد، لتوغل في المناطق الأكثر هشاشة؛ تذهب إلى الضحك لتقيس به الخراب الفادح الذي أصاب تلقائية الفرح، وتفكك نظام استقبال الحياة اليومية من داخله؛ فالطفل يضحك لأن الوجود فائض فيه، وحين يدخل العنف، يغدو الفرح صدى قادماً من زمن سحيق، واصلاً إلى النبرة والموضع الذي يضحك منه الطفل قبل أن يعرف سبباً لشيء.

“فرفقًا،

ليس بالحديد وحده،

بل بهذا الكائن

الذي يعيد تعريف نفسه

بعد كل خسارة.

أنا لا أتعلم كيف أعيش

بجسدٍ لا يشبهني،

بل أتعلم

أن الشبهَ وهم،

وأننا لا نكون

إلا بما نفقده.”

يتصدع الشبه كطمأنينة قديمة، وتبدأ الذات في تعلم ملامحها من آثار ما فقدت، فالخسارة تعيد تركيب جهاز التعرف إلى الذات دون تمجيد أو تخفيف، كاشفة عملها الداخلي في علاقة الإنسان بكيانه، ثم بعالمه، ثم باسمه:

“وقلبي،

ليس ذاك الذي كان يركض نحوك،

بل ذاك الذي أدرك متأخرًا

أن الركضَ كله

كان بحثًا

عن حدٍّ

ينكسر عنده الألم

ويصير معنى.”

ويتغير مسار الركض القديم؛ ينكفئ القلب نحو حافته الصلبة ليروض فيض الوجع ويصنع منه المغزى. وحين يجد الوجع شكلاً يمكن حمله، يغدو الشعر وعاءً للمأساة؛ وعاءً تتحرك فيه تفاصيل الكائن كأدوات تشريحية حية، حيث يفتح الملح حساسية الجرح، ويتلقى الحديد فائض الواقع، ويوقظ الموج زمناً مكسوراً على أرضٍ تكشف هشاشة اليقين، بينما يقيس الضحك خراب البراءة في طريق القلب وهو يفتش عن حد للوجع.

هكذا تترسخ القصيدة كتأمل شعري خالص في القرب بعد العطب؛ حين يصير اللمس امتحاناً، ويغدو العالم مطالباً بتعلّم الرفق.

لا أعرف ماذا يفعل القارئ بعد قصيدة كهذه. أيثني على اللغة؟ يتأمل الصورة؟ ينبهر بذكاء الشاعرة؟

كل ذلك يبدو صغيراً أمام سؤال طفلةٍ جرّدت البلاغة من كبريائها. وأنا، بعد هذا النص، لم أعد واثقاً من براءة القراءة نفسها؛ فكل قراءة لجرح الآخرين تحمل شيئاً من النجاة غير العادلة.

ربما لهذا تبدو “رفــقــاً” كلمةً موجهة إلينا في السر، كأن نجوى تضع يدها على كتف القارئ وتقول له: اقترب، وتذكّر أنك تقف خارج الألم الذي تظن أنك فهمته.


مشاركة المقال :