لهو الحديث / محمد عبد الجبار الشبوط

 

من الآيات التي أثارت جدلاً تفسيرياً واسعاً قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (لقمان: 6). وقد ذهب عدد من المفسرين إلى أن المقصود بـ«لهو الحديث» هو الغناء، استناداً إلى بعض الروايات المنقولة عن عدد من الصحابة والتابعين. غير أن القراءة الحضارية للآية تدفع إلى النظر أبعد من هذا التحديد الجزئي، والبحث عن الظاهرة الإنسانية والاجتماعية التي تتحدث عنها الآية.
فالقرآن لم يقل: «ومن الناس من يشتري الغناء»، وإنما قال: «لهو الحديث»، وهو تعبير أوسع وأشمل. كما أن مركز الثقل في الآية لا يقع على كلمة «لهو» وحدها، بل على الوظيفة التي يؤديها هذا اللهو، وهي: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. فالمشكلة ليست في وسيلة الترفيه أو شكل الخطاب بحد ذاته، وإنما في استخدامه للإضلال ونشر الجهل والاستهزاء بالحقيقة.
ومن هنا يمكن فهم الآية بوصفها حديثاً عن ظاهرة حضارية متكررة في التاريخ الإنساني، هي ظاهرة صناعة الوعي الزائف. فكل مشروع إصلاحي أو نهضوي أو ديني يواجه عادة مشروعاً مضاداً لا يعتمد الحجة والمعرفة، بل يعتمد الإلهاء والتشويش والسخرية. وبدلاً من مناقشة الأفكار الكبرى، يجري صرف الناس عنها نحو قضايا هامشية أو قصص مثيرة أو خطابات تستهلك الوقت والاهتمام دون أن تضيف معرفة أو تبني وعياً.
وفي السياق المكي الذي نزلت فيه الآية كانت قريش تواجه القرآن بوصفه مشروعاً جديداً لبناء الإنسان والمجتمع. وكان بعض زعمائها يبحثون عن وسائل لصرف الناس عن الاستماع إلى القرآن والتأثر برسالته. ولهذا فإن «لهو الحديث» في ذلك السياق لم يكن مجرد لون من ألوان الترفيه، بل كان أداة ثقافية وإعلامية لمواجهة مشروع الهداية.
وعندما ننقل هذا المعنى إلى العصر الحديث تتسع دلالة الآية أكثر. فلهو الحديث قد يتمثل اليوم في الأخبار المضللة، والدعاية السياسية الكاذبة، وخطابات الكراهية، وثقافة التفاهة، والمحتوى الإعلامي الذي يستهلك عقل الإنسان ووقته دون أن يضيف إليه معرفة أو قيمة. وقد يتمثل في أي خطاب يهدف إلى إبعاد الناس عن التفكير الجاد في قضاياهم الكبرى ومستقبلهم الحضاري.
وبهذا المعنى تصبح الآية من الآيات المؤسسة لفهم قرآني عميق للصراع على الوعي. فالقرآن لا ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً اقتصادياً أو سياسياً فقط، بل بوصفه كائناً واعياً، وأن معركة الوعي تسبق كثيراً من المعارك الأخرى. فالمجتمع لا يُهزم حين يخسر معركة عسكرية فحسب، بل قد يُهزم قبل ذلك حين يُفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة والتضليل، وبين ما يبنيه وما يهدمه.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن القرآن يضع أمامنا نموذجين متقابلين من الخطاب: خطاب الهداية الذي يبني الوعي ويقود إلى الرشد، وخطاب اللهو الذي يبدد الوعي ويقود إلى الضلال. وبين هذين الخطابين تتحدد وجهة الفرد والمجتمع ومسارهما الحضاري.
وهكذا تكشف هذه الآية عن أحد أبعاد الفهم الحضاري للقرآن؛ فهي لا تتحدث عن قضية جزئية معزولة، بل تكشف سنة من سنن التاريخ الإنساني، وهي أن الصراع الحقيقي بين مشاريع النهضة ومشاريع التراجع يبدأ أولاً من الصراع على العقل والوعي. ومن يملك تشكيل الوعي يملك في كثير من الأحيان القدرة على تشكيل المستقبل. ولذلك كان التحذير القرآني من «لهو الحديث» تحذيراً من كل خطاب يصرف الإنسان عن الحقيقة ويحول بينه وبين أداء دوره الاستخلافي في بناء الحضارة.


مشاركة المقال :