الزيدي والمهمة الصعبة / فاروق الرماحي

 

فاروق الرماحي

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، يجد علي الزيدي نفسه أمام واحدة من أكثر المهمات تعقيداً في تاريخ الدولة العراقية بعد 2003. فالسؤال لا يتعلق بشخص رئيس الوزراء الجديد فقط، بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة العراقية نفسها على استعادة التوازن وسط بيئة سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة.

يصعب الحكم مبكراً على نجاح الزيدي أو فشله. فالرجل، بوصفه رجل أعمال شاباً لا يستند بحسب الصورة المتداولة إلى ماكينة حزبية تقليدية أو ظهير جهوي واضح، يدخل إلى المشهد السياسي في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع تحولات إقليمية كبرى. وفي مثل هذه الظروف، لا تصنع النوايا وحدها النجاح، بل شبكة التوازنات والقدرة على إدارة التعقيد.

العراق اليوم ليس بلداً يتحرك داخل حدوده فقط. إنه جزء من معادلة إقليمية مفتوحة الحرب بين إيران وإسرائيل، تنافس على النفوذ، وحرب ظلّ تتجاوز الجغرافيا المباشرة. بالنسبة لبغداد، فإن أي تصعيد بين القوتين يضعها تلقائياً في دائرة التأثير، بحكم الجغرافيا، والتداخل الأمني، والعلاقات السياسية والعقائدية، فضلاً عن هشاشة التوازن الداخلي.

إضافة إلى البيئة الإقليمية، يواجه الزيدي إرثاً داخلياً معقداً. فالدولة العراقية لم تنجح حتى الآن في حسم ملفين مركزيين الفساد البنيوي، ومراكز القوى المسلحة الخارجة جزئياً أو كلياً عن احتكار الدولة للقوة. هذان الملفان لا يمثلان تحدياً إدارياً فحسب، بل اختباراً سياسياً مباشراً لأي حكومة جديدة، لأن الاقتراب منهما يعني الاصطدام بمصالح مترسخة داخل النظام السياسي.

كما أن المشهد الشيعي الداخلي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فعودة مقتدى الصدر إلى الحضور السياسي – بشكل مباشر أو غير مباشر – ستفرض معادلات جديدة على الحكومة. السؤال هنا لا يتعلق فقط بحجم تأثيره، بل بطبيعة العلاقة الممكنة بين الدولة والقوى السياسية المتنافسة هل ستتجه نحو التهدئة والتسويات، أم نحو إعادة إنتاج الصراع السياسي بأشكال مختلفة؟

على المستوى الخارجي، تبدو علاقة بغداد مع دول الخليج عاملاً لا يقل حساسية. فثمة فجوة ثقة تراكمت خلال السنوات الماضية، وتبادل اتهامات أمنية وسياسية انعكس على الخطاب المتبادل. غير أن قراءة أكثر براغماتية تقتضي الإقرار بأن استقرار العراق يمثل مصلحة مشتركة إقليمية، وأن سياسة العزل أو التصعيد المتبادل لا تنتج بالضرورة حلولاً مستدامة. فالعراق، بحكم موقعه ووزنه الاقتصادي والبشري، لا يمكن التعامل معه باعتباره ملفاً هامشياً في معادلة الأمن الإقليمي.

وفي المقابل، يواجه الزيدي أزمة مالية وضغوطاً اقتصادية قد تحدّ من هامش المناورة السياسية. فالإصلاح في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الريع النفطي، ويعاني تضخماً مؤسسياً وفساداً مزمناً، يتطلب توافقاً سياسياً لا يقل أهمية عن الإرادة التنفيذية.

السؤال الحقيقي، إذاً، ليس ما إذا كان علي الزيدي سينجح أو يفشل، بل ما إذا كانت البيئة السياسية العراقية تسمح أصلاً بالنجاح. فالدولة التي تعمل تحت ضغط التنافس الإقليمي، والانقسام الداخلي، والأزمات الاقتصادية، غالباً ما تجعل من النجاح عملية تفاوض طويلة أكثر من كونه قراراً حكومياً.

ويبقى السؤال المفتوح هل سيدخل الزيدي في مواجهة سياسية مع القوى المتصارعة سعياً إلى فرض سلطة الدولة، أم يختار هدنة سياسية مؤقتة تمنح حكومته فرصة البقاء وإدارة التوازنات؟ في العراق، قد لا يكون هذا الخيار مسألة قناعة فقط، بل شرطاً من شروط الاستمرار.


مشاركة المقال :