أمنيات بروكسل وصواريخ تل أبيب: حين يرتد الصمت على صاحبه

حيدر المنصوري
بينما توالى سقوط الصواريخ الإسرائيلية فوق غزة ولبنان متجاوزةً الخطوط الحمر للقانون الدولي، إكتفى القادة الأوروبيون بإطلاق الأمنيات المغلّفة بعبارات القلق والدعوات لضبط النفس. هذا التباين الصارخ بين الفعل على الأرض ورد الفعل في بروكسل وعواصم القارة العجوز، لا يعكس عجزاً دبلوماسياً فحسب، بل يؤسس لمرحلة من الارتداد العكسي الذي سيصيب المصالح الأوروبية في مقتل.

لطالما تغنت أوروبا بأنها الضمير الأخلاقي للعالم، والحارس الأمين لمنظومة القوانين الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. لكن أمام المشاهد القادمة من الشرق الأوسط، يبدو أن هذا الضمير قد دخل في غيبوبة اختيارية؛ فكلما انتهكت إسرائيل بنداً في القانون الدولي أو الإنساني، يخرج المسؤولون الأوروبيون ببيانات تبدأ بـ نأمل وتنتهي بـ ندعو، دون أي إجراء فعلي يوقف آلة الحرب.

لسنوات، استخدمت أوروبا ملف حقوق الإنسان والقانون الدولي كأداة ضغط في سياستها الخارجية. اليوم، ومع سياسة المحاباة تجاه إسرائيل، فقدت هذه المسطرة مصداقيتها. عندما تحاول أوروبا مستقبلاً انتقاد أي قوة إقليمية أو دولية بتهمة انتهاك السيادة أو ارتكاب جرائم حرب، سيكون الرد جاهزاً وصادماً: أين كانت قوانينكم حين سُحق الأبرياء تحت عجلات الصواريخ في غزة ولبنان؟.

هذا السقوط الأخلاقي يجعل أوروبا مجرد لاعب ثانوي بلا هيبة قيمية حيت تتآكل القوة الناعمة وتسقط قيمة المحاضرة الأخلاقية بسبب غياب آليات الردع والتنفيذ، وإستمرار حماية الكيان المارق على القانون الدولي بشتى الوسائل وإنفاق أموال دافعي الضرائب على حمايته بدل إنفاقها على شعوبهم، حيث تدرك أوروبا تاريخياً أن عدم الاستقرار في الجوار المتوسطي يترجم فوراً إلى موجات هجرة غير مسبوقة.

إن عجز أوروبا عن كبح جماح التصعيد الإسرائيلي ودعمه عسكريا وغض البصر عن تصرفاته من جهة ثانية يساهم في تدمير البنى التحتية وسبل العيش لملايين البشر، مما سيدفع بالآلاف نحو الشواطئ الأوروبية. ليس هذا فحسب، بل إن شعور الشعوب العربية والإسلامية بالظلم وازدواجية المعايير الأوروبية يمثل بيئة خصبة لنمو الفكر المتطرف، الذي قد يجد طريقه إلى داخل المدن الأوروبية نفسها، رداً على انحياز الحكومات، إذ بسكوتها أو اكتفائها بالأمنيات، تساهم أوروبا في تقويض منظومة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.

إذا سُمح لإسرائيل ورئيس وزرائها المطلوب بتهم إرتكاب جرائم ضد الإنسانية بتجاوز القانون الدولي دون عواقب، بل ما زال دعمه مستمرا وبكل بجاحة، فإن ذلك يمنح ضوءاً أخضر ضمنياً لكل القوى العالمية لتفعل الشيء ذاته. أوروبا، التي تعتمد في أمنها واقتصادها على استقرار النظام الدولي، ستجد نفسها في عالم يحكمه منطق القوة لا قوة المنطق، وهي الحلقة الأضعف عسكرياً في مواجهة صراعات القوى الكبرى حيث الانقسام الداخلي الهش و التماسك المجتمعي مهدد.

إن سياسة المحاباة لا تثير حنق الخارج فحسب، بل تعمق الانقسام داخل المجتمعات الأوروبية نفسها. الشوارع في لندن، باريس، وبرلين تغلي بالاحتجاجات، وهناك شرخ يتسع بين الأجيال الشابة التي ترى الحقيقة عبر وسائل التواصل، وبين النخب السياسية المتمسكة بالروايات التقليدية. هذا التباعد يضعف الثقة في المؤسسات الديمقراطية الأوروبية ويغذي التيارات الشعبوية والفوضوية. إن الأمنيات لا توقف الصواريخ، والمحاباة التي تظن أوروبا أنها تحمي بها حليفاً استراتيجياً، هي في الحقيقة انتحار بطيء لمكانتها الدولية وأمنها الداخلي.

وسيجد الأوروبيون أنفسهم في مصير واحد مع هذا الكيان المارق إن لم تنتقل أوروبا من مربع التمني إلى مربع الفعل السياسي والاقتصادي وقطع صلتها به لفرض احترام القانون الدولي مجددا، فإنها ستجد نفسها غداً وحيدة في عالم لا يحترم إلا القوي، وحينها لن تنفعها البيانات ولا عبارات القلق.


مشاركة المقال :