د:عادل جعفر / استشاري الطب النفسي
في مجتمعاتنا، لا يحتاج الإنسان إلى مراجعة طبيب نفسي كي يُشخَّص مرضه…
يكفي أن تجد امرأة مسنّة تؤكد أن “العمل مدفون تحت عتبة الباب”.
فبمجرد أن يكتئب شاب، أو تسمع فتاة أصواتًا، أو ينهار زواج، تبدأ رحلة البحث الجنائي الروحي:
من وضع السحر؟
ومن رشّ الماء؟
ومن دفن الشعر الملفوف بالخيط الأحمر قرب شجرة السدر؟
والأطرف من كل ذلك، أن المجتمع يتعامل مع السحر أحيانًا كأنه مؤسسة حكومية كاملة الصلاحيات:
يعطل الزواج،
ويوقف الرزق،
ويُدخل الناس في الاكتئاب،
ويُسبب الفصام،
ويُحدث العقم،
وقد يكون مسؤولًا أيضًا عن رسوب الطالب الذي لم يفتح الكتاب أصلًا.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الإيمان الشعبي بالسحر، بل في ذلك الخليط المعقد بين النص الديني، والتفسير الشعبي، والخوف الإنساني القديم من المجهول.
فالقرآن ذكر السحر فعلًا، وذكره بصورة واضحة في سورة البقرة:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
وهنا بدأت المشكلة.
بعض المفسرين تعاملوا مع الآية بوصفها إثباتًا لوجود “سحر حقيقي” قادر على التأثير الواقعي في الإنسان:
يمرض،
ويقتل،
ويفرق بين الزوجين،
ويؤثر في المشاعر والعقل.
ثم تطور الأمر لاحقًا إلى بناء منظومة كاملة:أذكار للوقاية، ورقية للعلاج،
وتقسيمات لأنواع السحر….
بل ومؤلفات ضخمة تشرح الفرق بين:
السحر الحقيقي، والسحر التخييلي،
وسحر التفريق، وسحر المحبة،
وكأننا أمام تخصص جامعي له فروع أكاديمية.
حتى إن بعض الكتب تتحدث عن السحر كما لو أنه قوة فيزيائية لها قوانين دقيقة، لكنها تعمل للأسف خارج مختبرات الفيزياء.
وفي المقابل، ظهر اتجاه آخر من العلماء والمفكرين يرى أن كثيرًا مما يُنسب إلى السحر يمكن فهمه نفسيًا واجتماعيًا، وأن الآيات لا تعني بالضرورة أن الساحر يمتلك قوى خارقة تكسر قوانين الطبيعة كما يتخيل العامة.
فالقرآن نفسه يقول:
﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾،
ويصف سحر سحرة فرعون بأنه:
﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾.
لكن الناس غالبًا لا تحب كلمة “يُخيَّل”.
إنها كلمة تفسد المتعة كلها.
فالإنسان يميل بطبعه إلى التفسير الغامض أكثر من التفسير العلمي.
لأن فكرة وجود “ساحر شرير” تبدو أكثر إثارة من فكرة اضطراب كيميائي في الدماغ.
ولهذا تجد مريض الفصام الذي يسمع أصواتًا يُسحب من يده إلى قارئ الرقية قبل أن يصل إلى الطبيب النفسي.
وتجد مريضة الاكتئاب تُلام على ضعف إيمانها أكثر مما يُنظر إلى معاناتها بوصفها اضطرابًا نفسيًا يحتاج علاجًا.
وهنا يصبح السحر أحيانًا وسيلة مريحة للهروب من الحقيقة المؤلمة:
أن الإنسان قد يمرض نفسيًا كما يمرض جسديًا.
ومن زاوية علم النفس، حاول فرويد تفسير فكرة السحر بطريقة مختلفة تمامًا.
فهو يرى أن الإنسان البدائي كان يعتقد أن النية والكلمة والفعل شيء واحد.
الكلمة عنده ليست وصفًا للواقع… بل أداة للسيطرة عليه.
فالطفل حين يكتشف اللغة يشعر لأول مرة أن بإمكانه التأثير بالعالم دون حركة جسدية.
يكفي أن يقول:
“هات”
ليتحرك الآخرون.
ومن هنا تنشأ الفكرة السحرية:
أن الرغبة، والكلمة، والنية، قد تغيّر الواقع بذاتها.
أما يونج فكان أكثر تسامحًا مع هذه المعتقدات.
لم يكن يسخر منها تمامًا، بل رأى أنها تؤدي وظيفة نفسية عميقة، وأن الإنسان يحتاج دائمًا إلى رموز يفسر بها خوفه وقلقه ومصيره.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرمز إلى تشخيص طبي.
فعندما يصبح الفصام -مسًّا-،
والاكتئاب -عينًا-،
ونوبات الهلع – سحرًا مأكولًا-،
فإننا لا نفسر المرض…
بل نؤجل علاجه.
وهكذا، بدل أن يذهب المريض إلى العيادة، يدخل في رحلة طويلة بين:
الدخان، والحرمل، والماء المقروء عليه،
والبحث عن امرأة اعترفت تحت الضغط بأنها — سحرت الجيران—.
وربما لو عاد فرويد
إلى الحياة، ثم شاهد بعض البرامج التي تتحدث عن السحر في عالمنا العربي، لاحتاج هو شخصيًا إلى جلسات علاج نفسي.
