مشتاق الربيعي
من بعد الخلاص من نظام دكتاتوري قمعي، كانت حقبته من أسوأ ما مرّ به العراق عبر تاريخه الحديث، نظام صادر الحريات، وقمع الأصوات، وألغى الإنسان، وذهب إلى غير رجعة. علّق العراقيون آمالًا كبيرة على مرحلة ما بعده، منتظرين فجرًا جديدًا عنوانه الحرية والعدالة والديمقراطية.
لكن ما الذي حصل؟
أتتنا ديمقراطية بلا روح، ديمقراطية بالشعارات لا بالممارسة، سرعان ما انقلبت إلى أكذوبة كبيرة، إذ تحوّل العراق إلى دكتاتورية أحزاب فرضت نفسها على الجميع، وتقاسمت السلطة والنفوذ، وأدارت الدولة بعقلية الغنيمة لا الخدمة.
لم يشعر المواطن بأن صوته أحدث فرقًا، ولا بأن حقوقه مصانة، فيما ترسّخ الفساد، وغابت المحاسبة، وتراجعت هيبة القانون، وسط ولاءات ضيقة طغت على الانتماء الوطني، لتفقد العملية السياسية ثقة الشارع شيئًا فشيئًا.
وبالحقيقة، كان من المفترض على زعماء العراق عقد اجتماع وطني كبير، صادق وجاد، بعيدًا عن المصالح الحزبية الضيقة، من أجل وضع خارطة طريق سياسية جديدة، تعمل على الإصلاح الحقيقي وتصحيح مسار العملية السياسية، عبر بناء دولة مؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، ومحاسبة الفاسدين دون استثناء.
فالديمقراطية الحقيقية ليست صندوق اقتراع فحسب، بل منظومة قيم وسلوك وممارسة، وحين تغيب هذه الأسس، تتحول إلى واجهة براقة تخفي خلفها استبدادًا جديدًا بأدوات مختلفة.
من أجل رؤية عراق ديمقراطي جديد يليق بمكانته التاريخية والحضارية، ويحفظ كرامة شعبه، ويؤسس لدولة قانون وعدالة، تكون فيها المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، وتُصان فيها الحقوق، ويُحاسَب فيها الفاسد، ويشعر فيها المواطن بأن صوته حاضر وفاعل في صناعة القرار
