الفلسفة الحضارية / محمد عبد الجبار الشبوط

 

محمد عبد الجبار الشبوط

الفلسفة الحضارية هي الإطار الفكري العام الذي يقوم عليه هذا المشروع، وهي محاولة لبناء رؤية شاملة للإنسان والكون والحياة والتاريخ والدولة والمجتمع من منظور حضاري يجمع بين الوحي والعقل والعلم والتجربة الإنسانية. وهي لا تنطلق من سؤال المعرفة المجردة فقط، كما هو الحال في كثير من الفلسفات التقليدية، ولا من سؤال السلطة أو الاقتصاد أو المجتمع منفردًا، بل من سؤال الحضارة بوصفها المجال الأوسع الذي تتفاعل داخله جميع عناصر الوجود الإنساني.
وتنطلق الفلسفة الحضارية من ملاحظة أساسية مفادها أن الإنسان ليس كائنًا معزولًا عن التاريخ، ولا مجرد فرد يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة، بل هو جزء من مشروع حضاري مستمر يمتد عبر الأجيال، ويشارك في بنائه وتطويره أو في تعطيله وإفساده. ومن هنا فإن فهم الإنسان لا يكتمل إلا بفهم موقعه داخل حركة الحضارة، وفهم الدولة لا يكتمل إلا بفهم دورها في خدمة المشروع الحضاري، وفهم الدين لا يكتمل إلا بفهم علاقته ببناء الإنسان والحضارة.
وفي هذا الإطار ترى الفلسفة الحضارية أن الحضارة ليست تراكمًا ماديًا أو تكنولوجيًا فحسب، بل هي حصيلة التفاعل الخلاق بين الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، وهي العناصر التي تشكل ما يُعرف في هذا المشروع بـ«المركب الحضاري». فالحضارة لا تقوم بالإنسان وحده، ولا بالعلم وحده، ولا بالثروة وحدها، وإنما تقوم من خلال العلاقة المتوازنة بين هذه العناصر جميعًا ضمن منظومة من القيم العليا التي توجه مسارها وتحفظ إنسانيتها.
وتختلف الفلسفة الحضارية عن كثير من الفلسفات الحديثة في أنها لا تنظر إلى التاريخ باعتباره سلسلة من الصراعات الاقتصادية فقط، كما في بعض التفسيرات الماركسية، ولا باعتباره نتاجًا لإرادة القوة وحدها، كما في بعض الفلسفات السياسية، ولا باعتباره مجرد تراكم للمعرفة العلمية، كما في بعض الاتجاهات الوضعية، بل ترى أن التاريخ هو حصيلة تفاعل معقد بين القيم والمعرفة والعمل والإرادة الإنسانية والظروف الموضوعية والسنن الحضارية التي تحكم حركة المجتمعات والأمم.
كما تختلف عن التصورات التقليدية التي تحصر الدين في المجال الفردي أو التعبدي، إذ تنظر إلى الوحي بوصفه أحد المصادر الأساسية لتوجيه حركة الإنسان نحو الارتقاء الحضاري، وتعتبر أن الرسالات السماوية لم تكن معنية بخلاص الفرد وحده، بل كانت أيضًا معنية ببناء المجتمعات وإقامة العدل وتطوير العمران الإنساني. ومن هنا فإن العلاقة بين الدين والحضارة تمثل إحدى الركائز الأساسية في هذا المشروع الفكري.
وترتكز الفلسفة الحضارية على مفهوم الاستخلاف بوصفه المفهوم المركزي الذي يفسر مكانة الإنسان في العالم. فالإنسان ليس مجرد كائن طبيعي يعيش داخل الكون، بل هو كائن مكلّف ومسؤول ومؤهل للمشاركة في إعمار الأرض وتطويرها. ومن هذا المفهوم تتفرع منظومة كاملة من المفاهيم الأخرى، مثل المسؤولية الحضارية، والمواطن الفعال، والعمل الحضاري، والدولة الحضارية الحديثة، والتنمية الحضارية، والوعي الحضاري.
وتؤمن الفلسفة الحضارية بأن التقدم الحقيقي لا يُقاس بحجم الثروة أو القوة العسكرية أو التطور التقني وحدها، وإنما يُقاس بمدى نجاح المجتمع في تحقيق التوازن بين التقدم المادي والارتقاء الإنساني. فالمجتمع الذي يمتلك التكنولوجيا لكنه يفتقد العدالة، أو يمتلك القوة لكنه يفتقد الحرية، أو يمتلك الثروة لكنه يفتقد الكرامة الإنسانية، لا يمثل نموذجًا حضاريًا مكتملًا مهما بلغت إنجازاته المادية.
وفي المجال السياسي تقدم الفلسفة الحضارية مفهوم «الدولة الحضارية الحديثة» بوصفه النموذج السياسي الذي ينسجم مع رؤيتها للإنسان والحضارة. فالدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتنظيم المجتمع وتمكين الإنسان من ممارسة دوره الحضاري. ولذلك فإن شرعية الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل بقدرتها على خدمة الإنسان وحماية الحقوق وترسيخ القيم الحضارية العليا وتهيئة البيئة المناسبة للإبداع والتقدم.
وفي المجال الاقتصادي تطرح الفلسفة الحضارية مفهوم «الاقتصاد الحضاري» الذي يربط النشاط الاقتصادي بالأهداف الإنسانية والحضارية، ويرفض اختزال الإنسان إلى مجرد منتج أو مستهلك، كما يرفض تحويل الاقتصاد إلى غاية مستقلة عن القيم والأخلاق والعدالة الاجتماعية. فالاقتصاد في المنظور الحضاري وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع والحضارة، وليس غاية قائمة بذاتها.
أما في المجال المعرفي فإن الفلسفة الحضارية تنظر إلى العلم بوصفه أحد أهم محركات الحضارة، وترى أن العلاقة بين الوحي والعلم ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل. فالوحي يقدم الرؤية الكلية والقيم الموجهة، بينما يقدم العلم أدوات الفهم والاكتشاف والتطوير. ومن خلال هذا التكامل يستطيع الإنسان أن يحقق تقدمًا متوازنًا يجمع بين المعرفة والحكمة، وبين القوة والمسؤولية.
وإذا كان لكل فلسفة سؤالها المركزي، فإن السؤال المركزي للفلسفة الحضارية هو: كيف يستطيع الإنسان أن يحقق الارتقاء الحضاري في ضوء مسؤوليته الاستخلافية؟ ومن هذا السؤال تتولد بقية الأسئلة المتعلقة بالدولة والمجتمع والتعليم والاقتصاد والثقافة والتاريخ.
وخلاصة القول إن الفلسفة الحضارية هي رؤية شاملة للوجود الإنساني تنظر إلى الإنسان بوصفه خليفة ومسؤولًا، وإلى الحضارة بوصفها ثمرة التفاعل بين الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، وإلى الدولة والمجتمع والاقتصاد والتعليم باعتبارها أدوات لتحقيق الارتقاء الحضاري. وهي بذلك تمثل محاولة لبناء إطار فكري جديد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الوحي والعقل، وبين القيم والتقدم، في سبيل تأسيس مشروع إنساني قادر على مواجهة تحديات العصر والمستقبل.


مشاركة المقال :