احتكار الأب العراقي للأوراق الثبوتية / رغد الحيالي

 

رغد الحيالي
كيف تُعرقَل حياة النساء المطلقات داخل العراق وخارجه؟
في مجتمعاتٍ يفترض أن تكون الوثيقة الرسمية أداة تنظيم وحماية، تحوّلت الأوراق الثبوتية في الواقع العراقي إلى وسيلة سلطة وهيمنة، تُستخدم ضد النساء المطلقات بشكل خاص، ليس بحكم القانون، بل بحكم العرف وسوء التطبيق. فبدل أن تضمن هذه الوثائق الحقوق، أصبحت في كثير من الحالات أداةً لتعطيل الحياة، ووسيلة ضغط نفسي واجتماعي تمارسها بعض الآباء بحق بناتهم بعد الطلاق.
الوثيقة ليست ملكًا… بل حق
الأوراق الثبوتية – من هوية الأحوال المدنية، وشهادة الجنسية، وجواز السفر، ووثائق الأطفال – ليست ممتلكات شخصية يحتفظ بها الأب أو الولي متى شاء، بل هي حقوق قانونية أصيلة لكل فرد. ومع ذلك، تُحتجز هذه الوثائق عمدًا في حالات كثيرة، وتُستخدم كورقة مساومة أو عقاب، وكأن المرأة تفقد أهليتها القانونية بمجرد طلاقها.
احتجاز الوثائق يعني شللًا كاملًا للحياة: لا عمل، لا تعليم، لا علاج، لا سفر، ولا حتى قدرة على إثبات الوجود القانوني. وهذا الشكل من الاحتجاز لا يختلف في جوهره عن الاحتجاز القسري، لأنه يحاصر الإنسان داخل دائرة العجز والعزلة.
المرأة المطلقة بين القانون والعرف
رغم أن القوانين العراقية لا تنص صراحة على أحقية الأب باحتجاز أوراق ابنته البالغة أو أوراق أطفالها، إلا أن العرف الاجتماعي يتدخل بقوة، ويُفرض كقانون غير مكتوب. تُجبر المرأة على “الاستئذان” في أبسط حقوقها، ويُطلب منها الصمت بحجة الحفاظ على “سمعة العائلة”، بينما تُهدر حياتها ومستقبل أطفالها.
الطلاق هنا لا يُنظر إليه كفصل قانوني بين زوجين، بل كـ”خطيئة اجتماعية” تُعاقَب عليها المرأة وحدها، ويُترك الرجل بمنأى عن أي مساءلة، في اختلال صارخ لمفهوم العدالة.
معاناة مضاعفة خارج العراق
تتضاعف الأزمة عندما تكون المرأة المطلقة خارج العراق. فاحتجاز الأوراق يمنعها من تجديد الإقامة، أو تسجيل أبنائها في المدارس، أو مراجعة المستشفيات، أو حتى العودة الآمنة إلى بلدها. تصبح المرأة عالقة بين نظام قانوني أجنبي يطلب وثائق لا تملكها، وسلطة عائلية في الداخل ترفض تسليمها.
وهنا تتحول المشكلة من شأن عائلي إلى أزمة إنسانية حقيقية، قد تؤدي إلى فقدان الإقامة، أو التشرد، أو فصل الأطفال عن التعليم، وكل ذلك دون ذنب ارتكبته المرأة سوى أنها قررت إنهاء زواج فاشل أو عنيف.
الأطفال… الضحية الصامتة
الأطفال هم الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. حرمانهم من أوراقهم يعني حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية والسفر والحماية القانونية. يُستخدم الأطفال كورقة ضغط في نزاعات لا ذنب لهم فيها، ويُختزل مستقبلهم في صراع سلطة بين بالغين.
أي قانون أو عرف يسمح بذلك هو قانون يعاقب الطفولة، ويؤسس لجيل محروم من أبسط حقوقه الإنسانية.
لا دين ولا قانون يبرر هذا الانتهاك
من المهم التأكيد أن لا الدين ولا القانون ولا الأخلاق تبرر احتجاز الوثائق أو استخدام الأطفال والنساء كوسائل ابتزاز. هذه الممارسات هي إساءة صريحة لاستخدام السلطة الأبوية، وتحويلها من مسؤولية إلى أداة قمع.
الدين كرم الإنسان، والقانون وُضع لحمايته، أما ما يحدث فهو نتاج ثقافة السيطرة لا ثقافة الرعاية.
نحو حل حقيقي
الحل لا يكون بالمناشدات الأخلاقية وحدها، بل يتطلب:
تشريع واضح يجرّم احتجاز الأوراق الثبوتية.
تمكين النساء من استخراج وثائقهن ووثائق أطفالهن دون وصاية.
إنشاء آليات قانونية سريعة لحماية المرأة المطلقة داخل العراق وخارجه.
تحميل الجهات الرسمية مسؤولية عدم الرضوخ للضغط العائلي أو العرفي.
كلمة أخيرة
كرامة المرأة ليست ملفًا محفوظًا في درج أحد،
وحياتها ليست رهينة توقيع أو ختم أو “رضا” أبٍ اختار أن يكون خصمًا لا سندًا.
الوثيقة حق، والحق لا يُصادَر،
ومن يصادره لا يحمي العائلة… بل يهدمها.


مشاركة المقال :