حاوره مصطفى طه الياسري
الدكتور أحمد فرحان اسم ارتبط بالصلابة فوق البساط وبالجدية في قاعات الجامعة. مصارع حمل ألوان العراق بشجاعة، ثم انتقل إلى عالم البحث الأكاديمي ليصبح أستاذًا وخبيرًا دوليًا في المصارعة. عرفه الرياضيون بجرأته وقوة حضوره، وعرفه طلابه بعمقه العلمي ودقته، لذلك يُنظر إليه اليوم كأحد أبرز الأصوات الإصلاحية في الرياضة العراقية. في حديثه مع المستقل، يفتح فرحان الملفات بلا مجاملة، ويطرح رؤيته لإصلاح لا يقوم إلا على ثورة إدارية ومعرفية.
كيف تقيم عمل اللجنة الأولمبية وما أبرز المشكلات التي تواجهها الاتحادات الرياضية؟
اللجنة الأولمبية والاتحادات تعيش حالة من التخبط الهيكلي. الإدارة التقليدية ما زالت تهيمن، بينما الإدارة العلمية الحديثة غائبة. الاتحادات تفتقر للبنى التحتية ومراكز إعداد الأبطال (High Performance Centers)، والتي من المفترض أن تعتمد على القياسات الفسيولوجية والميكانيكية الدقيقة. هذا الغياب يجعل المشاركات بلا إنجازات حقيقية.

هل الاستقلالية تعني الحصانة من المساءلة؟
هذه هي المعضلة الكبرى. عالميًا، تقارير منظمة الشفافية الدولية ومبادئ الحوكمة الرياضية تؤكد أن الاستقلالية لا تعني الحصانة من المساءلة. المال العام يخضع للقوانين الوطنية، واللجنة الأولمبية الدولية تطالب باستقلالية القرار الفني والإداري، لا غض الطرف عن الإنفاق المالي. الحل يكمن في اعتماد نظام الحوكمة الرياضية وربط الميزانيات بمؤشرات أداء (KPIs)، بحيث يُكافأ الناجح ويُحاسب المقصر، وهذا واجب وطني لا تدخل سياسي.
هل يُعدّ قانون الرواد تكريمًا معنويًا أم وسيلة دعم اجتماعي عملي؟
القانون بصيغته الحالية أقرب إلى شبكة أمان اجتماعي، وهو ضرورة إنسانية لإنصاف جيل خدم الرياضة في ظروف صعبة. لكنه لا يغني عن بناء منظومة تقاعدية شاملة تحفظ كرامة الرياضيين دون الحاجة للاستجداء، ويجب أن يشمل المستحقين جميعًا بلا استثناء. ولا يمكن إنكار جهود الخيرين في إثراء هذا الموضوع، مثل الدكتور صالح المالكي الخبير القانوني.
إلى أي مدى تتحمل الدولة مسؤولية تراجع الرياضة العراقية؟
الدولة تتحمل المسؤولية الكبرى بسبب موسمية التمويل. الرياضة تُعامل كنشاط ترفيهي لا كصناعة أو أمن قومي ناعم. غياب قانون رياضي حديث وموحد، والاعتماد على التمويل الحكومي المباشر بدل الاستثمار، جعل العراق بعيدًا عن المنافسة الدولية التي تعتمد اليوم على ميزانيات ضخمة مرتبطة بالبحث العلمي والتكنولوجيا.
كيف يمكن ضمان الشفافية في إدارة الموارد المالية؟
الحل في الرقابة الرقمية والأتمتة المالية، مع إشراك مكاتب تدقيق مستقلة. يجب أن تكون ميزانيات الاتحادات معلنة ومرتبطة بعقود إنجاز واضحة، لضمان وصول كل دينار إلى اللاعب والمدرب، لا إلى المكاتب والإيفادات.

ما أهم المهارات التي يجب أن يمتلكها لاعب المصارعة الناجح؟
المصارع الناجح يجب أن يجمع بين قوة رافع الأثقال، خفة لاعب الجمباز، وعقل لاعب الشطرنج. يحتاج إلى توافق عصبي عضلي عالٍ، مرونة ديناميكية، قدرة على الانفجار الحركي (Plyometrics)، وذكاء ميداني (Tactical Intelligence) لاتخاذ القرار في أجزاء من الثانية تحت ضغط التعب.
ما دور المدرب في تطوير اللاعب نفسيًا وفنيًا؟
المدرب هو “المهندس النفسي”. في الحلبة قائد تكتيكي، وخارجها أب وموجه تربوي. اللاعب العراقي يعيش ضغوطًا كبيرة، لذا يحتاج المدرب إلى أساليب إعداد نفسي حديث (Mental Toughness) لتعويض نقص الإمكانيات بالصلابة الذهنية.
ما أبرز التحديات التي تواجه المصارعة العراقية اليوم؟
لدينا خامات بشرية مذهلة، لكن نفتقر للاحتكاك الدولي المستمر والبحث العلمي. المعسكرات الداخلية لا تصنع بطلًا أولمبيًا. الحل في مشروع طويل الأمد يبدأ من المدارس التخصصية ويمتد لعشر سنوات، مع إدخال التحليل الحركي والفسيولوجي وربط المؤسسات التعليمية بالرياضية. الاستدامة هي كلمة السر، وليست الإعداد السريع قبل البطولات بشهر واحد.

يؤكد الدكتور أحمد فرحان أن الرياضة العراقية لن تنهض إلا بثورة إدارية معرفية تضع الرجل العلمي المناسب في المكان المناسب، وتتعامل مع الملاعب كحواضن لبناء الإنسان قبل الميداليات. الرياضة يجب أن تكون جزءًا من نسيج المجتمع، حاضرة في المدارس والساحات والمراكز التجارية، لتتحول من نشاط موسمي إلى ثقافة يومية وصناعة وطنية.
