حارث أحمد جابر
لك أن تتخيل حجم الفاجعة مدرب أجنبي لم يعمل يومًا كمدرب أول لأي فريق، بل كان مجرد مدرب رابع يحسب الجهد والركض. ومع ذلك جاء ليدرب منتخب العراق، والطامة الكبرى أنه أصبح مدربًا أول للمنتخب، طبل له وروّج له السماسرة حتى صار في الواجهة. ولم يكتفِ بذلك، بل جاء بجيش جرار من العاطلين ليصبحوا مساعدين له، وأغلبهم بلا أي ترخيص رسمي، فتحوّل المنتخب إلى حقل تجارب بيد من لا يملك تاريخًا تدريبيًا ولا شرعية مهنية.
أغلب المباريات التي فاز بها جاءت أمام فرق ضعيفة، بعضها غير موجود على الخارطة الكروية، وبنتائج هزيلة لا تُقنع أحدًا. حتى حانت لحظة الاختبار الحقيقي ليسقط أمام منتخب الأردن خلال ست دقائق فقط، من تقدّم بهدفين لهدف إلى خسارة بثلاثة أهداف لاثنين. ومن هناك بدأت الأوراق تتكشف، وتوالت الخسارات حتى خسر أمام منتخب فلسطين الجريح، لتظهر الحقيقة كاملة أمام الجماهير.
هكذا قاد منتخب العراق من لا تاريخ له، قبض ملايين الدولارات من بلد مثخن بالجراح، ثم عاد ليقاضيه في فيفا ويبتزه حتى نال ملايين أخرى. رفع شعارات زائفة عن حب العراق، بينما الحقيقة أنه لم يعرف سوى حب المال والطمع، فسحق الجماهير وذهب بكرة العراق إلى الهاوية.
أما الأسترالي أرنولد، فلم يأتِ بجيش من العاطلين ولا بمساعدين بلا ترخيص، بل جاء بروح صادقة وفريق صغير يعمل معه بوفاء. تعامل مع اللاعبين كأب وأخ، وذرف دموعه بعد التأهل لا حبًا بالشهرة ولا بالمال، بل حبًا لشعب شعر أنه أصبح جزءًا منه. دموعه كانت رسالة أن العراق يستحق الفرح، وأن الوفاء لا يُقاس بالدولار بل بالصدق والإخلاص. أرنولد دخل التاريخ الكروي العراقي من أوسع أبوابه، وهو الآن يتربع في قلوب العراقيين بلا استئذان. لم يكن مجرد مدرب ناجح، بل أصبح رمزًا كبيرًا، وهناك مطالبات من الجماهير العراقية لمنحه الجنسية العراقية لوفائه وحبه للعراق.
هنا يظهر الفرق الشاسع بين أجنبي باع العراق في سوق الغرباء، وأجنبي آخر أحب العراق وجمهوره بصدق نادر، فاستحق شكرًا غير اعتيادي يليق بدموعه ووفائه. التاريخ سيحفظ دموع أرنولد كوسام وفاء، ويُسجل اسم ذلك الممرن كوصمة عار لا تُمحى.
تبقى الحياة دروسًا وعِبَرًا، لعل المسؤولين يتعلمون منها، ليُصان المال العام من الذئاب المنفردة.

تنوية: ترسل المواد الخاصة بالصفحة الرياضية إلى مدير القسم الرياضي الصحفي حارث احمد جابر
