حارث أحمد جابر
منذ أن دخلت كرة القدم إلى العراق عبر البصرة إبّان الاحتلال الإنكليزي مطلع القرن العشرين، سرعان ما اكتسبت شعبية واسعة لتصبح الرياضة الأولى جماهيريًا في العراق، مواكبة لمكانتها العالمية. بدأت بالانتشار تدريجيًا في مختلف المدن حتى غدت الرياضة الجماهيرية الأولى، ومع مراحل تطورها استمرت في كسب حب الناس واهتمامهم، لتصل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى مرحلة جذب علية القوم ومثقفي البلد، وتتحول إلى الشغل الشاغل لكل عراقي.
ومع هذا الانتشار، أصبحت الجماهير بمثابة الحياة للفرق، من خلال الدعم والإسناد والتشجيع، حتى غدا الجمهور هو اللاعب رقم (12) لما له من تأثير إيجابي في مسيرة الأندية. ومع مرور الوقت، باتت هذه الأندية تعتمد بشكل كبير على أنصارها ومشجعيها، ولاسيما فرق القمة التي تستمد قوتها من الحضور الجماهيري الكثيف وشغف أنصارها.
هذا التفاعل الكبير دفع الأندية إلى تشكيل روابط جماهيرية خاصة بها، فكانت البداية لتأسيس منظومة جماهيرية منظمة. ومع مرور الزمن، تشكلت هذه الروابط وأصبح جيل يسلم الراية لجيل آخر، لتزداد جماهير الأندية شيئًا فشيئًا. وقدمت هذه الروابط الدعم المالي والمعنوي، وشاركت الفرق أفراحها بعد كل إنجاز وأحزانها بعد كل إخفاق أو تعثر، حتى أصبح المشجع يمنح فريقه الولاء المطلق ويقف خلفه في السراء والضراء.
لكننا، وبعد أن وصلنا إلى هذه المراحل من التطور، وجدنا أنفسنا في عام 2020 أمام واقع جديد. فمن باب الحرص والالتزام بالثوابت الرياضية، وجّهنا الحديث نحو الأندية المتمثلة برؤسائها، حيث بدأنا نرصد تدخل الروابط الجماهيرية في عمل الأندية أمام الجميع. إذ أخذت هذه الروابط تتدخل في الأمور الفنية والإدارية، متناسية أن دورها يبدأ وينتهي على المدرجات من خلال التشجيع والمؤازرة. بل إن بعض رؤساء الروابط حاولوا فرض لاعبين محترفين ومحلّيين، والتأثير على قرارات الأندية، وصولًا إلى التقرب من الأعضاء للسيطرة وفرض توجهاتهم دون أي رادع من صناع القرار.
ومع هذا الواقع المرير الذي يضر بمصلحة الفرق، وقد برز خلال العقد الأخير، انفتح الباب أمام التدخل في كل صغيرة وكبيرة، سواء في اختيار التشكيلة لهذه المباراة أو تلك. وأصبح التدخل صارخًا ومدانًا في عمل الطواقم التدريبية، حتى بدأ يطمس شخصية بعض المدربين أمام الجماهير والمتابعين للشأن الرياضي. وهكذا تحول المشجع من عنصر داعم إلى جزء رئيسي من المشكلة، بعدما تجاوز حدود دوره الطبيعي في المدرجات.
إن التدخل في عمل الأجهزة الفنية يبقى من اختصاص المدرب ومساعديه حصراً، وهكذا تعمل الدول المتطورة التي وصلت إلى أعلى مراحل التنظيم والعمل المؤسسي. فلا يجوز لغير المختصين أن يتدخلوا، لأن ذلك يفتح المجال أمام الجميع، وعندها ستغرق السفينة بعد أن يكثر ملاحوها.
أعزائي، إن دور الروابط الجماهيرية يقتصر على التشجيع والدعم، وعليكم الابتعاد عن الأمور الإدارية والفنية لأنها من واجبات المدرب. وهناك لجان داخل الهيئات الإدارية مهمتها مناقشة المدرب في حال تراجع مستوى الفريق أو عند رصد ثغرة أو منطقة رخوة، ودور هذه اللجان هو تشخيص السلبيات التي تضر بمسيرة الأندية، وبذلك يمكن معالجة الأخطاء بشكل مهني ومدروس وحضاري.
