حين أصبح الوعي جريمة / نعمان الغزي

نعمان الغزي/ لندن

لم تكن السياسة في العراق يوماً مجرد صراع على مقاعد أو مناصب، بل كانت في جوهرها صراعاً بينمشروعين مشروع حزب البعث المجرم الذي ارتكز على عسكرة المجتمع وتأميم الإرادة، ومشروع  حزبالدعوة الإسلامية الذي انطلق من مرتكزات فكرية وعقائدية شكلت خطراً وجودياً على بنية الدكتاتورية. وفي الحادي والثلاثين من آذار عام 1980، وصل هذا الصراع إلى ذروته بصدور القرار (461)، الذي لميكن تشريعاً قانونياً بقدر ما كان  إعلاناً عن هزيمة منطق الدولة

أمام قوة الفكر.

لقد اجترح حزب البعث في ذلك التاريخ سابقة يندى لها جبين القضاء العالمي، حين شرعن القتلالجماعي بأثر رجعي. كان الهدف واضحاً  استئصال شأفة حزب الدعوة الإسلامية عبر تحويل الانتماءالفكري إلى  جريمة كبرى

تستوجب المقصلة. وبموجب هذا القانون الجائر، تحولت السجون من مؤسسات إصلاحية إلى مسالخبشرية، حيث لم يفرق نظام البعث بين المفكر والناشط والمتعاطف، بل جعل من مجرد الوعي تهمةتودي بصاحبها إلى دهاليز  الأمن العامة أو مقابر سجن أبي غريب المظلمة.

إن الضريبة التي دفعها حزب الدعوة كانت باهظة ومزلزلة؛ فقد فقد العراق في تلك المحرقة أعظمعقوله، وعلى رأسهم المرجع المفكر الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي مثل اغتياله محاولةلقطع رأس الحكمة في العراق. تلا ذلك غياب كوكبة من القادة والمفكرين الذين واجهوا أعواد المشانقبصلابة أذهلت جلاديهم، محولين لحظة الإعدام إلى صرخة حرية كسرت هيبة نظام البعث الزائفة،وأثبتت أن الأجساد قد تغيب، لكن الفكر يظل عصياً على الرصاص.

اليوم، حين نستذكر هذا القانون المشؤوم، لا نستذكره للبكاء على الأطلال، بل لنفهم أصل الشرعية التييقوم عليها العراق الحالي. إن النظام الديمقراطي التعددي هو الثمرة المباشرة لتضحيات أولئك الذينرفضوا الانحناء أمام طغيان البعث. ومن هنا، تبرز مسؤولية حزب الدعوة والقوى الوطنية كافة فيالانتقال من ضيق  طلب السلطة إلى رحابة  بناء الدولة

وفاءً لدماء الشهداء التي لم تُرَق من أجل امتيازات حزبية، بل من أجل وطن يحفظ كرامة الإنسان بلاتمييز.

إن حماية التجربة السياسية وتعديل مساراتها بما يحقق العدالة الاجتماعية هو الرد الأمثل على  عصورالمشانق. فالتكاتف الوطني اليوم ليس خياراً بل ضرورة لعبور الأزمات، مستمدين من صمود شهداءالدعوة القوة لبناء مؤسسات تضمن ألا يعود العراق يوماً إلى حقبة القوانين الرجعية التي تصادر الحق فيالحياة.


مشاركة المقال :