ممر السلام و ملامح الشرق الأوسط الجديد / العباس الدوري

‏ 

العباس الدوري

الممر الإقتصادي ( الهنديالشرق أوسطيالأوروبي ) ليس مجرد مشروع إقتصادي عابر للقارات بلهو ذو أبعاد سياسية عميقة جداً تعاد صياغتها تحت غطاء إقتصادي أنيق , فمنذ الإعلان الرسمي عنهخلال إجتماع مجموعة العشرين في سبتمبر عام 2023 في نيودلهي بدا واضحاً إن هذا الممر يتجاوز كونهشبكة نقل تجاري ليتحول إلى رافعة إستراتيجية ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد ,

ينطلق هذا الممر من مومباي الهند عابراً إلى الإمارات ثم يمتد برياً عبر سكك الحديد إلى السعودية والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا في ( إسرائيل ) قبل أن يستكمل بحرياً نحو اليونان و من ثم الى عمق القارةالأوروبية , هذا الممر يختصر الزمن التجاري بنسبة 40% تاركاً الممرات التقليدية و على رأسها قناةالسويس , غير أن هذا المشروع رغم قوته لم ينطلق بسلاسة فقد أصطدم بجدار من التعقيدات بدءاً منحرب غزة مروراً بالتوترات مع إيران و الحوثيين ثم الحرب التي تدور رحاها الآن في المنطقة فهذهالأحداث أسهمت في إبطاء ربط حلقات هذا الممر و أعاد طرح إن السلام شرط بنيوي لنجاحه , لذلكيطلق عليه ممر السلام فأن العائق السياسي غير الحروب هو إن بعض الدول المرتبطة بهذا المشروع لمتبرم الإتفاقية الإبراهيمية و هذا مايكشف عن بعده السياسي كشرط إبرام الإتفاقية الإبراهيمية و إحلالالسلام مايمنح هذا المشروع هدف جيوسياسي بقدر مايمنحه من هدف إقتصادي كبير ,

أما عن مستوى صراع الممرات الدولي فأن هذا الممر رعته الولايات المتحدة رغم عدم إستفادتها منهإقتصادياً لكنه يقوّض مشروع مبادرة الحزام و الطريق للصين بإعادة توجيه سلاسل الإمداد بعيداً عنالنفوذ الصيني في الوقت ذاته يمنح الهند فرصة لتجاوز منافسيها الإقليميين و على رأسهم الجارة الندباكستان و إيران و تعزيز موقعها كقوة إقتصادية إستراتيجية صاعدة في المنطقة ,

الخاسرون ليس قلة فمصر تجد نفسها أمام تراجع نسبي في أهمية قناة السويس و إن كان هذا الأثر غيرمستهدف بشكل مباشر و في المقابل ترى إيران إن هذا الممر سيقصيها من أحد أهم مفاصل التجارةالعالمية و تضرر باكستان عبر إضعاف ممرها المشترك مع الصين فيما تتلقى أنقرة صدمة بسبب رهانهاعلى مشروع طريق التنمية المرتبط بالعراق و ميناء الفاو الكبير , العراق الذي غاب عن إجتماع تلك القمةالتي طُرح بها هذا المشروع وجد نفسه خارج لحظة التأسيس مايعني إقصاء جيوسياسي و نسبي و هويعوّل على إكمال ميناء الفاو لكن هذا الممر سيخفت بريق إكمال الميناء و طريق التنمية رغم إن هذاالممر لايخلو من إستفادة غير مباشرة للعراق حيث بإمكان بغداد أن تستثمر في التدفقات النفطيةللدول المشتركة بهذا الطريق بنسبة زمنية أسرع ,

و تتصدر قائمة الرابحين الهند كونها نقطة الإنطلاق تليها الإمارات و السعودية و الأردن أما إسرائيلتحصد مكاسب إقتصادية و سياسية مضاعفة سياسياً من خلال إبرام الإتفاقيات الإبراهيمية و إقتصادياًحيث يتحول ميناء حيفا عقدة مركزية و رغم إنه الآن في ظل هذه الحرب فميناء حيفا هو الوحيد الذييمارس نشاطه التجاري دون عوائق , أما إستفادة أوروبا من خلال تنويع مصادر الإمداد و تقليل الإعتمادعلى المسارات المهددة و المكلفة ,

هذا الممر هو مسرح صراع ناعم و رسم لملامح الشرق الأوسط الجديد حيث تتقاطع الجغرافيا معالإستراتيجية و يصبح الإقتصاد إمتداداً مباشراً للسياسة و كل ماجرى منذ لحظة الإعلان عنه و حتى اليومفي المنطقة و إن لم يكن مرتبطاً به بشكل مباشر فهو يتحرك جزئياً في دائرته بإعتبار أحد المفاتيحالكبرى لفهم صراع الممرات في القرن الحادي و العشرين .

العباس الدوري


مشاركة المقال :