فاطمـة الـراوي
حين تقع الخادمة في حبّ رجلٍ غنيٍّ، لا يكون قلبها وحده من يغامر، بل حياتها كلّها. تحبّه وهي تعرف أنّ بينهما مسافة لا تُقاس بالخطوات، بل بالمال، وبالطبقات، وبالمكانة، وبالسلطة، وبنظرات المجتمع التي تراقبها كما لو أنّها اقترفت جريمة الحلم.
الخادمة لا تحلم بفستانٍ فاخرٍ فحسب، بل تحلم أن تُعامل كإنسانةٍ كاملةٍ، لا كظلٍّ في بيتٍ فخمٍ. تحلم أن تجلس إلى المائدة، لا أن تنظّفها، أن تُنادى باسمها، لا بمهنتها، أن تكون شريكةً، لا تابعةً. لكنها حين تنظر إلى قصره تشعر أنّ الحبّ وحده لا يكفي لعبور البوابات العالية.
ما أشبه حلم الخادمة بوضعنا السياسي في العراق. فالعراقي كخادمةٍ أحبّت رجلاً غنيّاً، يمتلك أرضاً من ذهب، وثرواتٍ نفطيةٍ هائلةً، وموقعاً جغرافياً تتنافس عليه القوى الكبرى. لكنه، رغم ذلك، يشعر أحياناً كأنّه واقفٌ عند باب قصره، لا داخله.
يمتلك الإمكانيات، لكنه لا يمتلك القرار الكامل.
يملك الثروة، لكنه لا يملك استقرارها.
يملك الكوادر والطموح، لكنه يُثقل بالانقسامات والصراعات الداخلية والخارجية.
المشكلة ليست في كثرة ما يملك، بل في موقعه منه. الثروة حين تُترك بلا مرجعيةٍ واضحةٍ تتحول إلى عبءٍ، وتصبح موضع تنازعٍ بدل أن تكون أساساً لبناءٍ هادئٍ. النفط لا ينهض بوطنٍ وحده، كما أنّ القصر لا يصنع علاقةً متكافئة.
القيمة لا تأتي من وفرة الذهب، بل من قدرة من يملكه على أن يحدد مصيره بنفسه. الخادمة لا يرهقها الحبّ، بل شعورها بأنّ القرار ليس في يدها. وكذلك العراق؛ ما يعطله ليس فقر الإمكانات، بل اضطراب الميزان الذي يُفترض أن يحمي حقه في إدارة بيته.
كما تخاف الخادمة أن يُقال عنها إنها طمعت في الغنى، يُتَّهم العراقي كلما حاول أن ينهض بأنّه يتحرّك بدوافع خارجيةٍ لا داخليةٍ. وكما يُذكَّر قلبها دائماً بمكانتها الاجتماعية، يُذكَّر العراق بتاريخه المثقل بالحروب والاحتلالات والأزمات.
الخادمة حين تحبّ تكون بين خيارين: إما أن تستسلم لفكرةٍ أنّ الحبّ مستحيلٌ، أو أن تؤمن بأنّ قيمتها لا تقلّ عن قيمة من تحب، وأنها تستحقّ مكاناً إلى جانبه، لا خلفه.
وكذلك العراق؛ إما أن يبقى في دائرة المقارنات مع ماضيه المؤلم، أو أن ينهض مستنداً إلى شبابه، وثقافته، وتاريخه العريق الذي بدأ من حضارات ما بين النهرين، يوم كان مركز العالم لا هامشه.
الحبّ الحقيقي لا يقوم على الشفقة ولا على التبعية، بل على التكافؤ والاحترام. والدولة القوية لا تُبنى على الثروات وحدها، بل على العدالة، والمؤسسات، ووعي الناس.
أحلام الخادمة ليست عيباً، بل العيب أن يُقنعها المجتمع بأنها لا تستحقّ أن تحلم. وأحلام العراق ليست وهماً، بل الوهم أن يصدّق أنه أقلّ من أن يكون وطناً مستقرّاً مزدهراً.
إن كانت الخادمة ستتزوج الغنيّ أم لا، فالأهم أن تدرك قيمتها أولاً. وإن كان العراق سيبلغ ما يتمناه شعبه أم لا، فالأهم أن يؤمن أبناؤه أنّهم ليسوا خدماً على موائد الآخرين، بل أصحاب بيتٍ عريقٍ، يحتاج إلى إدارةٍ عادلةٍ وقلبٍ لا يخاف أن يحلم.
