بين الضربة المؤجلة والشارع الغاضب هل تنجح ايران في احتواء الاحتجاجات

عبد الله علي

تمر إيران اليوم بمرحلة شديدة التعقيد يتداخل فيها التصعيد الإقليمي مع الانفجار الداخلي على نحو غيرمسبوق وفي هذا السياق تبدو أي ضربة إسرائيلية محتملة في هذا التوقيت تحديدا عاملا قد يخدمالنظام الإيراني أكثر مما يضعفه إذ أن وقوعها في ظل احتجاجات شعبية متصاعدة سيمنح السلطة فرصةذهبية لإعادة توجيه المزاج العام نحو الخارج وإعادة إنتاج خطاب الخطر الوجودي والدفاع عن السيادةوهو خطاب أثبت فعاليته تاريخيا في توحيد الشارع خلف النظام ولو مؤقتا

من هذه الزاوية لا تبدو تل أبيب في سباق مع الزمن فقط بل إن توقيت الضربة إن حدثت سيكون عنصراحاسما في نتائجها السياسية داخل إيران فبدلا من إضعاف النظام قد تؤدي إلى إعادة تحشيد الشارعومنحه شرعية طارئة لقمع الاحتجاجات تحت عنوان الأمن القومي وهو ما يفسر الحذر الظاهر في اتخاذقرار المواجهة المباشرة

في المقابل تبرز قراءة أخرى لما يجري داخل إيران ترى أن تفجر بعض الأزمات الاقتصادية لم يكن عفويابالكامل بل جاء في سياق إدارة أزمة مقصودة فالنظام الذي يدرك حتمية التصعيد بعد موافقة ترامبعلى مقترح نتنياهو الذي طُرح في لقائهما الأخير يسعى لكسب الوقت عبر إشغال الداخل وتأجيل الضربةقدر الإمكان كما يسعى في الوقت ذاته إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي من خلال اختبار الشارع وكشف بؤرالغضب وإعادة ضبط الإيقاع الأمني والسياسي

لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر فالاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها ليس فقط من حيثانتشارها بل من حيث طبيعة دوافعها فهي احتجاجات ذات طابع معيشي اقتصادي عميق نتج عنسنوات من الضغوط والعقوبات وسوء الإدارة ما يجعلها أقل قابلية للاحتواء بالشعارات الأيديولوجية أوالتخويف الأمني وحده

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو هل يستطيع النظام الإيراني السيطرة على هذه الاحتجاجات خلالالشهرين المقبلين من الناحية العملية يمتلك النظام أدوات واسعة للسيطرة من قبضة أمنية صارمة إلىسيطرة على الإعلام والاقتصاد إضافة إلى قدرته على توظيف العامل القومي والديني عند الحاجة إلا أنهذه الأدوات تواجه اليوم تحديا متراكما يتمثل في تآكل الثقة وتراجع فاعلية الخطاب الرسمي

الأهم من ذلك أن الرأي الآخر داخل الشارع الإيراني لم يعد محصورا بمطالب إصلاحية محددة أواحتجاجات موسمية بل بدأ يتجه تدريجيا نحو التشكيك في النهج العام برمته وهو تحول نوعي يجعل منكل أزمة جديدة فرصة لتراكم الغضب لا لتفريغه وإذا طال أمد الاحتجاجات أو ترافقت مع تطور خارجيغير محسوب فقد تتحول من ورقة ضغط بيد النظام إلى عبء استراتيجي يصعب التحكم بمساراته

بين ضربة مؤجلة وشارع يغلي تقف إيران اليوم عند مفترق طرق بالغ الحساسية قد تنجح السلطة فياحتواء المشهد مؤقتا لكنها ستكون احتواءات مؤجلة لا حلولا جذرية فالمؤكد أن ما بعد هذهالاحتجاجات لن يكون كما قبلها وأن كلفة إدارة الأزمات الداخلية والخارجية باتت أعلى من أي وقت مضىوأن عامل الزمن لم يعد يعمل بالكامل لصالح النظام كما كان في السابق


مشاركة المقال :