رسالة من ابن خلدون 

محمد الكلابي

سلامٌ عليك يا بُني، ما أكثر ما يَخدع الناسَ لمعانُ الصنعة، وما أقلّ من يَسمع صريرَ المعنى وهو يتآكل.

وصلتني رسالتك الأخيرة، فوجدتُك تُسمّي الداء باسمٍ صائب: حركةٌ تُكثر الفعل وتُقلّص الحياة. وهذا عندي من دلائل انقلاب الطبائع حين تُرفع الكلفة، وتُستبدل المباشرة بالوسائط، فيسبق النظامُ الإنسانَ، وتغلب الصورةُ على المعنى. العمرانُ إذا اتسع ظاهره ولم يثبت باطنه، بدأ الهرمُ في النفوس قبل أن يظهر في الدول.

أصلُ الاجتماع عندي عصبيةٌ تُلزم بالمغارم قبل المغانم، وتُقيم الحماية، وتُخرج خُلقَ الاحتمال. فما وصفته من عصبيةٍ تتكوّن بالخبر والصورة ثم تنحلّ عند أول كلفة، هو شبهٌ بالعصبية لا حقيقتها. عصبيةٌ بلا رحم، لأنها لا تُنشئ وفاءً من معاشرة، ولا تُنتج تضحيةً من عيشٍ مشترك. تُحرّك الناس بالانفعال، لا بالعهد. لهذا تَكثر الخصومة فيها ويَقلّ الضبط، لأن الخصومة إذا وقعت بين وجوهٍ تُلاقي بعضها بعضاً استحيت النفوس واحتكمت إلى عرفٍ وسلطان، أما إذا وقعت بين ظلالٍ لا تُصافح خفّت كلفة الإيذاء، وصار الكلام سلاحاً لا يَرى صاحبه أثره. هنا يتبدّى ما أسميه توحشاً حضرياً؛ حضرٌ في الأبنية، بداوةٌ في الأخلاق، فالبداوة ليست مكاناً، بل طبعٌ إذا غلب: حدّةٌ بلا حلم، واندفاعٌ بلا حشمة.

وأما ترفُ السهولة الذي ذكرتَه فهو أخطر الترف، لأنه لا يُرى في الذهب، بل في فساد العادة. الترفُ عندي انقلابُ الطبع من احتمال الشدة إلى استثقالها، ومن الصبر إلى الجزع، ومن القناعة إلى شره التبدّل. فإذا صار كل مطلوبٍ يُنال بأقصر سبيل سقطت مدرسة الانتظار، والانتظارُ كلفةٌ تُعلّم تقدير النعمة وتُقيم التدبير. فإذا سقطت الكلفة كثرت الرغبات وقلّ التذوق، وصار الامتلاء سبباً للفراغ، لأن كثرة الأشياء تُسقط عنها الوزن، وكثرة الأصوات تُسقط الإصغاء.

ومن هذا الباب يشيع الانتحال، والانتحال في العمران ليس سرقةَ لفظ، بل أخذُ صورة الشيء دون حقيقته: صورة المعرفة دون كدّها، صورة المكانة دون استحقاقها، صورة الرفقة دون عشرتها. فإذا شاع الانتحال صارت الحياة عرضاً يُدار، لا تجربةً تُعاش. تتبدّل الأخلاق إلى أقنعة، وتغدو القيمة تابعةً للظهور، لا للثمر. عندها يتضخم العمران حجراً وتنظيماً، ويضيق الإنسان وجداناً ومؤانسةً، فيتجاور الناس بالأبدان ويتباعدون بالقلوب، يعرفون أسماءً كثيرة ويجهلون من يُغيث عند الضيق.

وسؤالك عن أفول المعنى يَمسّ السنن من أصلها. المعنى لا يقوم على كثرة المعلومات، بل على رسوخ المقاصد وثبات العادة ووضوح الميزان الذي تُقاس به الأفعال. فإذا كثرت عندكم الوسائط وتبدّلت العوائد سريعاً ضعفت العادة، فإذا ضعفت العادة ضاع الميزان، وإذا ضاع الميزان كثرت الحيرة، واستبدّت لذة اللحظة بالحياة. هذا طورٌ من أطوار الهرم، تُخفيه الأدوات زمناً، لكنه يُسقط المجتمع في الداخل.

وأرى الإنسان الذي وصفته قد اتسع له الخبر وضاقت له التجربة. المباشرةُ هي التي تُنتج اليقين والمسؤولية، لأن المسؤولية وليدة القرب: قربُ الفعل من أثره، قربُ الناس من الناس، قربُ الضرر من صانعه. فإذا بَعُد الأثر سهل العبث، وكثر الهدم، وقلّ البناء.

أما سؤالُ الدورة الحضارية فليس عندي نهايةٌ تُعلن دفعةً واحدة، بل انتقالٌ في الطبائع. فإن استمر فسادُ الطبائع ظهر الهرم في صورة اضطرابٍ في الثقة، وفتورٍ في الهمم، وتفككٍ في الروابط، وانقسامٍ إلى عصبياتٍ سريعة الاشتعال، أو أفرادٍ متجاورين لا جماعةَ لهم. وكلاهما يُضعف العمران، لأن العمران لا يَثبت بلا لُحمةٍ تُخرج الحلم، ولا حلمَ بلا كلفة.

دواءُ هذا الداء ردُّ الميزان إلى الحياة: إعادةُ نصيبٍ من الكلفة إلى الفعل كي يعود للشيء وزنُه، وإعادةُ العِشرة إلى مواضعها لأن العِشرة تُنبت الحشمة، والحشمة سورُ العدل، والعدلُ سورُ العمران. إن كثرت الآلات التي تُسهّل العيش وجب أن تُقابلها أخلاقٌ تُثقّل المعنى؛ وإلا بقي البناء قائماً، وغاب الإنسان الذي يستحق أن يسكنه.

 


مشاركة المقال :